الإسلام في التاريخ

  • القرآن بين المكى والمدنى

    حيث بعضها آيات قصار تتحدث عن الإنسان وقيمه كالكرامة والمساواة والعدالة وعدم الظلم “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. “ولا تستوى الحسنة ولا السيئة إدفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم”. وحرية الأديان “لا إكراه فى الدين” “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” “لكم دينكم ولى دين”.

    وتدعو إلى التوحيد والإيمان بشكل عام باليوم الآخر والوحى والغيب والجنة والنار فضلا عن التناغم اللغوى الصوتى الموسيقى. بينما آيات أخرى تخاطب المؤمنين “يا أيها الذين آمنوا” وتمتاز بطول السور كالبقرة والنساء والمائدة وآل عمران. وطول الآيات، ومجادلة أهل الكتاب والحديث عن المنافقين “من المسلمين” والدخول فى تفاصيل الأحكام الشرعية والحدود والفرائض والقوانين كالحروب. واستعمال الشدة “فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين”. وآيات حول الربا “الذين يأكلون الربا لايقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس” وآية “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله”. وتتحدث أيضا عن الآخرين بأنهم كفار ومشركون ويعادون المسلمين ويدعو للقتل “وأقتلوهم حيث ثقفتموهم”. وهذه آية 191 من سورة البقرة وهى أطول سور القرآن قاطبة. بل وأخذ الجزية بطريقة غير لائقة “وهم صاغرون” فى الآية “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله وورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”. وآية للقتل “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد”. ومن يرتد عن الدين عقابه الخلود فى جهنم معذبا “ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”. وعن المشركين نجس “إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا”.

    كما تحدث القرآن عن الذلة والمسكنة واللعن “وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلّةُ وَالْـمَسْكَنَةُ وَبَاءُوْا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، ذَلِكَ بِأنَّهُمْ كَانُوْا يَكْفُرُوْنَ بِآيَاتِ اللهِ و يَقْتُلُوْنَ النّبِيِّيْنَ بِغَيْرِ الحق، ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوْا يَعْتَدُوْن”. وغيرها.

    لآيات القرآن وجود تفاوت كبير بين آياته

    وادعائه أن اليهود يعتبرون عزيرا ابنا لله “وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون” مع أنا لانعهد لليهود فى كل تراثهم ادعاء عزيرا ابنا لله إطلاقا. ويتحدث عن طريقة تعذيبهم فى جهنم “يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون”. واعتباره أهل الكتاب كفارا “لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة” “لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم” “لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة”. واعتبار كتابهم محرفا كتبوه بإيديهم ثم نسبوه لله “فويل للذين يكتبون الكتاب بإيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون”. وتحريفهم الكلم “من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه”. لذلك تحدث القرآن عن لعنهم مرارا “لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا”. “أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون”. بل دعوة نبيه لكى يقتل الكافرين جميعا ويمحيهم من الأرض “وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا”. ومسخهم قردة وخنازير “وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ” “قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ” وغيرها.

    بينما فى آيات أخرى فى الجانب الآخر مدح المسيح ومريم والمسيحيين والمسيحية والإنجيل وموسى واليهود مثلا “إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس فى المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل”. ويدخلهم الجنة “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. “إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى”. وتفضيل بنى إسرائيل على الناس جميعا “ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين” وتسمية التوراة والإنجيل بأنها نور وهدى وفيها حكم الله “وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ” “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ” “وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله”. كما سمّاهم أهل الكتاب “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله” بل طالبنا القرآن بسؤالهم فيما لانعرف “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ”. فهى تحترم اليهود وكتابهم التوراة وموسى وتحترم المسيح والمسيحيين والإنجيل وهى تناقض الآيات السالفة وكأنها لشخصين متناقضين مختلفين تماما.

    كأنه شخصان

    مختلفان متعارضان

    متناقضان

    كذلك آيات الحدود والفصاص والإرتداد مثل “إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله وسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم”. وكلها تعارض آيات السلام والمحبة وحرية الدين والكرامة والإنسانية والأخلاق.

    حاول بعض الفقهاء الإجابة عن ذلك من خلال الظروف والسياقات بين مكة والمدينة حيث كان النبى فى بداية الدعوة فى مكة ضعيفا مستضعفا يتيما فقيرا وحيدا لا ناصر له ولا معين حيث بات محاصرا فى شعب أبى طالب ممنوعا من الزواج والمعاملة والعلاقات عدة سنوات حتى مات حلفاؤه الأساسيين من خديجة زوجته وأبو طالب عمه وحاميه. ثم أضطر للرحيل إلى المدينة حيث استقبل ودعم وصار صاحب قرار وصولة ودولة. وفى المدينة صارت مواثيق الإتفاقات مع اليهود كما كان صلح الحديبية مع قريش لكنه أيضا حارب عدة حروب وغزوات مثل بدر وأحد والخندق تبلغ 29 لثمان سنوات من السنة الثانية للهجرة إلى التاسعة. من تلك الغزوات مثلا غزوة بنى قينقاع فى السنة الثانية الهجرية بالمدينة، وغزوة بنى النضير فى السنة الرابعة الهجرية بالمدينة، وغزوة بنى قريضة فى السنة الخامسة الهجرية بالمدينة وغزوة خيبر فى السنة السابعة الهجرية وغزوة حنين فى السنة الثامنة للهجرة كذلك كانت غزوة الطائف فى السنة الثامنة للهجرة وغزوة تبوك فى السنة التاسعة للهجرة وهكذا وقت الحروب والغزوات كانت تنزل تلك الآيات التى فيها الشدة والحكم بالكفر والشرك والقتل وعاقبة الخلود بجهنم لكن الحقيقة تحتاج تلك إلى دراسات أكثر عمقا وبحثا ودراسة أوسع لحل تلك الإشكالات.

    فهل يعنى أن القرآن قد خضع لظروف بشرية إنسانية تأثر بها شخص النبى فنزلت الآيات محاكاة لتأثره وانفعالاته مما يجعل النص القرآنى ينزل إلى المستوى البشرى وتأثره فى الجانبين الشخصى والإجتماعى فيكون نتاجا طبيعيا له كما اعتقد بعض الباحثين. أم أن ذلك مراعاة القرآن للظروف الموضوعية المحيطة به وأجوائه الزمانية والمكانية وأصحابها مما يعرف بأسباب النزول.

    هل يعنى أن القرآن قد خضع لظروف بشرية إنسانية تأثر بها شخص النبى؟

    أجاب آخرون بادعاء النسخ لحل تلك التعارضات. مما يجعل احتمال آيات المدينة قد نسخت آيات مكة لأنها جاءت متأخرة عنها كذلك فى زمن قوة أصحابها فى المدينة ليس كضعفهم فى مكة. حتى قال بعضهم أن آيات الجهاد والحدود والقصاص والأحكام قد ألغت آيات السلم والسلام وأمثالها وهذا حل للتعارضات الموجودة بين الصنفين المكى والمدنى لكن إثباته كنسخ يعد صعبا جدا وأمرا عسيرا. فضلا أنه يجعل كل آية هناك معرضا للنسخ مما يضعف حجيتها والإستدلال بها. لكن على كل حال فائدة المكى والمدنى باعتبار الزمان يفيدنا فى معرفة التدرج فى نزول الآيات والأحكام فإن العديد من الأحكام نزلت متدرجة على مراحل عدة.

    ما المقصود بالمكى والمدنى هل هو الإعتبار المكانى أى مكان نزول الآية مكة أو المدينة عندما كان النبى فيها وهذا الإحتمال بعيد. خصوصا وأن النبى فتح مكة فى 20 رمضان من السنة الثامنة للهجرة. وهناك احتمال الزمان حيث اعتبار هجرة النبى هى المعيار بعد أن كان فى مكة 13 عاما فتكون العشر سنوات كلها مدنية وإن كان مكان نزولها مكة كالآيات النازلة عليه فى مكة عند فتحه إياها. وهذا هو الإتجاه السائد ويشمل جميع آيات القرآن. بينما الإتجاه المكانى قد لايشمل آيات لم تنزل لا فى مكة ولا المدينة مثل آيات الإسراء والمعراج “سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله”. فالمسجد الأقصى ليس فى مكة ولا المدينة وكذلك آيات المعراج “فدنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى” وغيرها.

    يعتقد الفقهاء أن أول آية نزلت هى “إقرأ باسم ربك الذى خلق” فى غار حراء حيث تحدثت الروايات عن ضعف النبى وتردده حتى جاء خائفا محتميا بزوجته خديجة التى لجأت إلى عمها ورقة بن نوفل القس المسيحى الذى طمأن النبى بأن ذلك علامة على الوحى الإلهى ورغم ذلك لم يرد أن ورقة قد أسلم.

    كما ينقلون أن آخر آية نزلت وهى “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا” وهنا تطرح إشكالات عديدة.

    منها أن المسلمين يحتفلون بالمبعث النبوى فى 27 رجب أى نزول القرآن. لكنهم فى نفس الوقت يعتقدون أن القرآن قد نزل فى رمضان. و فى ليلة القدر منه بالذات وفيها نزلت “إنا أنزلناه فى ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هى حتى مطلع الفجر”. رغم أنهم لايستطيعون تحديد يومها بالضبط من العشر الأواخر ومن الفرديات وعندها أيضا يختلف السنة حيث يميلون إلى 27 منه بينما الشيعة يميلون إلى 19 أو 21 أو 23 خصوصا فيها وفاة على بن أبى طالب.

    يعتقد البعض الآخر أن القرآن قد نزل بطريقتين: مرة كل سنة كاملا وهو فى ليلة القدر حيث لفظ أنزل أى مرة واحدة كل القرآن ومنها يقول البعض نزوله من السموات إلى الأرض أو قلب النبى ليستوعبه إجمالا أو تفصيلا “شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان”. لذلك كان موجودا عند النبى مما يستشف من الآيات “لا تحرك به لسانك لتعجل به” “ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى عليك وحيه”. فقد طالبه القرآن بعدم الإستعجال بالبوح به قبل الوحى التدريجى لوجوده عند النبى. ولعل الآية تفيد النزولين “كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير” وإن كان النقاش فى ذلك وارد. وإن اعترض البعض حيث الكفار طالبوه بذلك النزول مرة واحدة حيث نزل على مراحل وسنين لقوله تعالى “وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة وكذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا”.

    الفرقان: هى كلمة تطلق على القرآن لكنها تطلق أيضا على التوراة والإنجيل

    ونزول ثان تدريجى منذ بعث النبى وعمره 40 عاما حيث نزلت آية “إقرأ” وهو يقول “ما أنا بقارئ” على أساس أن النبى أمى لايعرف القراءة والكتابة. وإن كان بعضهم أوّل الأمية بأنه من مكة أمّ القرى لقوله “هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم” باعتبار أهل مكة هم أميون من مكة أم القرى. واستمر نزول الآيات لمدة 23 عاما منها 13عاما فى مكة ثم و10 سنوات فى المدينة حيث توفى النبى فى السنة العاشرة من الهجرة وعمره 63 عاما. لذلك يقول القرآن “ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزّلناه تنزيلا” وهنا يتحدث عن الفرقان وهى كلمة تطلق على القرآن لكنها تطلق أيضا على التوراة والإنجيل كمفرق بين الحق والباطل ويطلق على الجزء والآية من القرآن بينما القرآن من الجمع “إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه” وهنا جمع بين معنييى القراءة والجمع للفظ القرآن. فالقرآن يطلق على جميعه مجموعا ويقال أنه سماه قرآنا ليحوى ما يحتاجه الناس “تبيانا لكل شيء” , “ما فرطنا فى الكتاب من شئ”. إذن القرآن على جميعه والفرقان على أبعاضه ولفظ النزول مرة واحدة بينما التنزيل”ونزّلناه تنزيلا” على مراحل متعددة وعندها تكون طريقتان مرة كله “شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن” والثانية تنزيل الفرقان على مراحل لمدة 23 سنة ”تبارك الذى نزّل الفرقان على عبده” منها مكة ثم المدينة حسب الظروف والأحوال.

    الإشكال الآخر أن القرآن لم يرتب حسب النزول أصلا فليست أول آية “إقرأ” ولا سورتها العلق. كما ليست آية “اليوم أكملت لكم دينكم” ليست هى الآية الأخيرة فى ترتيب القرآن ولا سورتها المائدة التى تكون السورة الخامسة فى الترتيب الموجود. بل أول سورة الفاتحة وهى سورة قصيرة بآيات قصار وبعدها مباشرة سورة البقرة أطول سورة بمائتين وست وثمانين آية طويلة. وآخر سورة هى سورة الناس بست آيات قصار.

    بل أكثر من ذلك وهو وجود آيات مدنية فى سور مكية مثلا آية “قل ياعبدى الذين أسرفوا على أنفسهم” مدنية نزلت فى سورة الزمر”39” المكية. والعكس صحيح مثل “وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم” مكية من سورة التوبة “9” المدنية.

    كما يتضح أن العديد من الآيات أقحمت إقحاما وتناسب موضعا آخر مثل “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا” تناسب سورة الإنسان “76” وليس موضعها الحالى وهى جزء من آية تتحدث عن نساء النبى وفيها نون النسوة لما قبلها ولما بعدها “وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة”الآيتان 33-34. كما جاء فى أحاديث عن جعفر الصادق فى موقع الآية من سورة الناس ”76” لا سورة الأحزاب-33. وأن على بن أبى طالب قد جمع القرآن كما أنزل وليس كما موجود الآن.

    والحقيقة أن مجتمع المدينة كان أكثر تنوعا وحضارة وثقافة من مجتمع مكة الذى عرف أميا قبليا إلى حد كبير. وفى المدينة أصحاب الأديان المسيحية واليهودية ومعارفها وتشريعاتها وثقافاتها … فهل تأثر القرآن بالبيئة والمحيط أم أنه جاء مناغما ومحاكيا لها فى أجوائها وظروفها.

الإسلاموية

  • داعش لم تهبط من السَّماء

    وبما أنَّ الأفكار التي يعتنقها الأشخاص المنتمون لهذه التيارات العنيفة هى وليدة تفسير نصوص قرآنية وأحاديث نبوية وفتاوى فقهية فإنهُ من غير المُجدي عند التصدي للذين يقولون أنَّ العنف يُشكلُ بُعداً أصيلاً في الإسلام أن نكتفي بنفي إدعائهم هذا والقول أنَّ الإسلام يدعو للتسامح والسلام والمحبة.

    الرَّد على تلك الإدعاءات يتطلبُ منَّا نحن المسلمون مواجهة شجاعة مع النفس, وإجتهاد واسع في مراجعة التراث الديني برَّمتهِ, وذلك عبر إعمال أدوات البحث والمناهج المُعاصرة, ذلك لأنَّ  إغلاق باب الإجتهاد الذي بدأ منذ القرن التاسع الميلادي قد إكتمل في القرن الثاني عشر ومعهُ وقع التراجع الكبير للحضارة الإسلامية.

    يتطلبُ منَّا مواجهة

    شجاعة مع النفس

    وإجتهاد واسع في

    مراجعة التراث

    الديني برَّمتهِ

    بدأ التراجع منذ أن بسطت المدرسة السلفية رؤيتها في إثر التحالف الذي وقع  بين الخليفة العباسي المتوكل والفقيه احمد بن حنبل, ثم تعززت هذه السيطرة في موجتها الثانية مع الفقيه تقي الدين بن تيمية في القرن الثاني عشر, وأخيراً برزت في التحالف الذي تم تدشينهُ بين قاضي الدرعية محمد بن عبد الوهاب, ومحمد بن سعود في منتصف القرن الثامن عشر في الجزيرة العربية.

    السلفية آيديلوجيا “نصوصية” لأنها تقول أنَّ النصوص المُقدسة ينبغي ألا تُمس وأن تفهم فهماً حرفياً أو لفظياً, وهى كذلك آيديولوجيا “إقصائية” لأنها ترفض بشدة مناقشة مبادئها وتتعصب تجاه أي وجهى نظر مخالفة.

    وهى “ماضوية” لأنها تعتبر أنَّ النموذج الأكمل للأفكار قد تمَّ تطبيقهُ في زمن سابق, زمن السلف, وأنَّ الخلف ليس أمامهم سوى العمل على إستعادة ذلك النموذج, وعدم الخروج عليه, وبالتالي فإنَّها تنشد المستقبل في الماضي, ولا يمثل التاريخ بالنسبة لها أفقاً للتقدم و التطور بل مسيرة للتراجع و الإنحدار.

    قوات الإخوان في تقدمهم نحو الرياض في سنة 1900

    هذا التقديم أملتهُ على كاتب هذه السُّطور آراء سطحية ظل يقول بها العديد من الناظرين في ظاهرة العنف الإسلامي مفادها أنَّه لا توجد رابطة بين المدرسة السلفية في الفكر الإسلامي, وعلى وجه التحديد نسختها “الوهابية”, والحركات العنيفة السائدة اليوم خصوصاً تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

    صحيحٌ أنَّ موجة إنتشار الجماعات التكفيرية العنيفة الأخيرة قد بدأت من مصر في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي بتأثير مباشر من أفكار “سيد قطب” التي كانت بدورها تطويراً لأفكار “ابو الأعلى المودودي”, ولكن الصحيح أيضاً أنَّ الأخير تأثر كثيراً بدعوة “محمد بن عبد الوهاب”.

    ولا يستطيع باحثٌ جاد النظر في المنهج و طرائق التفكير و المصادر التي تقوم عليها المدرسة الوهابية, دون أن يجد رابطاً وثيقاً بينها وبين السلوك الإقصائي و العنف و التكفير الذي تتصَّف به الحركات العنيفة.

    وعندما يقول البعض أنَّ المجرى العام للدعوة السلفية يرفض التكفير, ويُناهض إستخدام العنف ضد غير المسلمين, فإنهم إنما ينظرون بنصف عين للحقيقة, إذ أنَّ المصادر التي يستقي منها الوهابيون والتفكيريون أفكارهم, هى مصادر مشتركة, وهم كذلك يتفقون في الكيفية التي تتم بها قراءة النصوص (الفهم الحرفي), وبذلك يُصبح الإختلاف بينهم إختلافاً في الدرجة وليس في النوع.

    إنَّ الناظر إلى الخلفية الفكرية لغالبية المنضوين تحت لواء الحركات العنيفة والشيوخ الذين يقفون خلفهم يجدهم قد نهلوا من “فتاوى بن تيمية”, وكتابات تلميذه “إبن القيم”, إضافة لتعاليم “محمد بن عبد الوهاب”, وأنَّ الكثيرين منهم قد درسوا بالجامعة الإسلامية أو جامعة الإمام محمد بن سعود بالمدينة المنورة أوغيرها من المدارس والكليات التي تدرس العلوم الشرعية من وجهة النظر السلفية.

    خرج الفكر العنيف

    من كتب المدرسة

    السلفية الوهابية

    ومناهجها

    أمَّا التجربة العملية فإنها تُحدثنا عن جنود الملك عبد العزيز بن سعود المعروفون بإسم “الأخوان”, والذين كانوا من أكثر الناس إخلاصاً لتعاليم “محمد بن عبد الوهاب”, وعن طريقهم إستطاع الملك الراحل بسط سلطانه على نجد والحجاز وتأسيس المملكة الحالية.

    لم يكن “الأخوان” يختلفون كثيراً عن “داعش”, فقد كانوا شديدي الكراهية لغير المسلمين, الذين درجوا على تسميتهم جميعاً بالكفار, ولم يكونوا يحتملون وجودهم في الجزيرة العربية ( وقد رأينا صدى شعورهم هذا يتكرر في أحاديث أسامة بن لادن).

    لقد نشأ “الأخوان” وتربوا على عقيدة “الولاء والبراء” التي تقسِّم العالم إلى فسطاطين : الكفر والإيمان, وهى نفس الأفكار التي يتربى عليها السلفيون اليوم بمختلف أطيافهم, ومنها ينهلُ الشباب الذي يذهب لينضم لداعش.

    كان الإخوان جنوداً مخلصين لفكرتهم التطهرية, متعطشين للدماء ومستعدين دوماً للموت, ومُعادين لجميع مظاهر الحياة المدنية الحديثة مثل التلفون والسيارة والراديو بإعتبارهاً بدعاً لا يجوز إستخدامها.

    كانوا أيضاً لا يعترفون بأي فكر أو تصوُّر للإسلام يُخالفُ “الوهابية”, وعلى رأس ذلك “التصوف” وأهله حيث فعلوا فيهم الأفاعيل, ولذلك كان هدفهم هو إدخال جميع المناطق العربية في “الإسلام” من جديد رغم أنَّ أهلها مسلمون موحدون, وكان أحد أسباب خلافهم مع الملك عبد العزيز هو رفضه مواصلة الحروب لإخضاع سوريا و العراق والأردن لسلطانه وإدخال أهلها تحت سلطان العقيدة الوهابية.

    جُهيمان العتيبي: تربى على عقيدة “الولاء والبراء”

    ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ “جُهيمان العتيبي” الذي قام بإحتلال الحرم المكي الشريف في صلاة فجر اليوم الأول من المئة الأولى للقرن الخامس عشر الهجري, كان قد درس العلوم الشرعية في مكة وكذلك في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، حيث كان تأثير الشيخ “عبدالعزيز بن باز” طاغياً، وهناك التقى جهيمان بـ “محمد بن عبدالله القحطاني” الذي أدعى “المهدية” وهو أحد تلاميذ بن باز المباشرين.

    العُتيبي والقحطاني اللذان أراقا دماء المسلمين الساجدين داخل الحرم كانا تلميذين نجيبين من تلاميذ الفكر السلفي الوهابي وشيخه الأكبر في هذا العصر : عبد العزيز بن باز.

    ذهب العُتيبي وبعض رفاقه إلى “بن باز” وقالوا له أنهم يُريدون تأسيس جماعة دعوية تقوم على “منهج السلف وتحارب البدع وتكون على الكتاب والسنة وتحكّم القرآن والسنة” فسألهم بن باز عن اسم هذه الجماعة، فقالوا : الجماعة السلفية. فقال لهم: ” بما أنكم تدعون الحسبة إلى الله، سموها : الجماعة السلفية المحتسبة”، فأصبح ذلك هو إسمها.

    لقد تربى العتيبي ورفاقه على المنهج الحرفي الذي يُلغي “العقل” ويؤمن بالتفسير اللفظي للنصوص, ويجعل من “الأحاديث النبوية” مصدراً تشريعياً مساوياً للقرآن الكريم, ولذلك فقد آمنوا بظهور “المهدي المنتظر” الذي تم الحديث عنهُ كثيراً في الأحاديث المنسوبة للرسول المعصوم.

    آمن القحطاني والعُتيبي ورفاقهم بأنَّ المهدي يُبايعُ بين “الركن والمقام”, وأنه يعتصمُ في الحرم ثم يأتي جيشٌ من تبوك ويخسفُ بهذا الجيش ثم يخرج هذا الرجل من الحرم ويذهب إلى المدينة ويحاربُ المسيح الدجال ثم يخرج من المدينة ويذهب إلى فلسطين ويُحارب هناك اليهود ويقتلهم ثم يأتي عيسى بن مريم فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويذهبون إلى الشام فيصلون في مسجد بني أمية وبعد ذلك تقوم القيامة الكبرى.

    يؤمن جميع الوهابيون بهذه “المرويات” التي تمتلىء بها كتبهم ومناهجهم التعليمية, وهُم إن إختلفوا مع العتيبي ورفاقه في شىء فإنما يختلفون في أنَّ أوصاف “المهدي” لم تكن منطبقة على “القحطاني” وهو خلاف ثانوي, ذلك لأنَّ الأخير وجماعته قد رأوا إنطباق الأوصاف عليه بحسب تقديراتهم, وهو الأمر الذي يعني أنَّه ما دامت هذه المرويات موجودة فإنّه سيأتي من يُحاول تطويعها لأهدافه في كل مرَّة.

    ذات الأمر ينطبق على “النبوءة” التي وردت في “صحيح مسلم” عن “الملحمة الكبرى” وهى النبوءة التي إستخدمتها “داعش” كثيراً في إستقطاب الآلاف من “الشباب” المسلم للإنضمام لصفوفها من أجل خوض معركة “آخر الزمان” مع الكفار.

    روى مسلم في صحيحه حديث أبي هريرة أنَّ الرسول (ص) قال:

    لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلو بيننا وبين الذين سبقوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً، فيفتحون قسطنطينية فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إنَّ المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فيتنزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكنه يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته.

    “دابق” هو إسم بلدة في سوريا بينما “الأعماق” منطقة تابعة لأنطاكية بتركيا, وقد إتخذت داعش من دابق إسماً للمجلة الرسمية الناطقة بلسان التنظيم, وظلت تُمني المنضوين للواءها بخوض معركة “آخر الزمان” التي تنبأ بها حديث مسلم, وهى المعركة التي ستنتهي بظهور الدَّجال ونزول المسيح وهزيمة الكفار إلى الأبد.

    إتخذت داعش رمز “آخر الزمان” إسماً لمجلتهم الرسمية

    وكذلك تستند داعش إلى حديثٍ آخر يشير إلى أن المعركة ستكون “عظيمة” تضم مئات الآلاف من المقاتلين، وسيتجمع “الروم” تحت 80 راية، تضم كل واحدة منها 12 ألف مقاتل، ما يجعل العدد الإجمالي للجيش الذي سيخوض المواجهة مع المسلمين 960 ألف رجل.

    لا يستطيع دُعاة الفكر السلفي أن يُدينوا تفسير “داعش” لحديث الملحمة الكبرى بإدعاء أنَّ أشراط الساعة لم تتحقق بعد, ذلك لأنَّهم قد وضعوا الأساس الفكري لإعتماد مثل هذه النصوص كحقائق واجبة التصديق وبالتالي فإنَّ تحقق تلك الأشراط يُصبح أمراً قابلاً لتقديرات كل فرد أو جماعة من الناس في أي وقتٍ من الأوقات, وهنا يتجلى المُشكل الحقيقي المتعلق بالمنهج السلفي في النظر للنصوص.

    يتضحُّ جلياً مما ذكرناهُ أنَّ الفكر العنيف, وخير مثالٍ له جيش “الأخوان” و”جهيمان” و”داعش”, لم يهبط من السماء فجأة, بل خرج من كتب المدرسة السلفية الوهابية ومناهجها التي يتم تلقينها في المساجد والمعاهد الشرعية, وبالتالي فإنَّ أية محاولة لمعالجة ذلك الفكر لا يمكن أن تنجح في ظل تمدُّد وإنتشار هذه المدرسة.