محمد عزالدين الصندوق

لم تكن هناك قطيعة بين الاسلام والعلم حتى القرن الحادي عشر تقريبا. وكان للمعتزلة دورا  تاريخيا في تبنيهم للمنهج العقلي (وليس العلمي) في الاسلام وقاد هذا المنهج الى النهضة العلمية اليتيمة في التاريخ الاسلامي. بعد محاربة الاعتزال والاتجاه العقلي تم نقد النهضة العلمية ومفكريها [١]. لقد وقف مفكرون اسلاميون من امثال ابوحامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية واخرون من العلم والفكر موقفا مضادا

قاد الى نهاية النشاط العلمي والفكري الا من بعض الجوانب المحدودة والقليلة والتي لا تشكل ظاهرة حضارية كما سبق وان حدث ما بين القرن السابع والعاشر الميلاديين [٢]. لقد خلق الفكر الاسلامي حوالى القرن الحادي عشر فجوة اتسعت خلال قرون عدة لتصل حد القطيعة بين العلم والفكر الديني وسيطر الركود الفكري والحضاري على المجتمعات الاسلامية حتى سقوط الدولة العثمانية مطلع القرن العشرين.

أسلمة العلم ما

هي الا محاولة

للتوفيق بين العلم

والقيود الفكرية

التي فرضها

الغزالي

وبعد ان ادركت المجتمعات الاسلامية خلال القرن العشرين القيمة الكبرى للعلم وتطبيقاته التكنولوجية اخذ المفكرون المحدثون في العودة للعلم. من ابرز محاولات التحديث (على ما يبدو) التي يدعولها بعض المفكرين الاسلاميين المعاصرين هما الاعجاز العلمي للقرأن وأسلمة العلم. المحاولة الاولى تعتمد البحث عن الانجاز العلمي بين سطور الكتاب المقدس وكأنه موسوعة علمية. أما المحاولة الثانية فانها تشمل جانبين فكريين  هما الفكر الاسلامي والفكر العلمي.  وهنا يجب ان نتسائل لماذا هذا الاصرار على جعل الفكر الديني لاهثا وراء العلم ومنجزانته؟

بعض المفكرين الاسلامين المحدثين من خلال دعواهم تلك يُظهرون وبوضوح حاجة الفكر الاسلامي المعاصر للفكر العلمي وليس العكس. فبعد ان حارب الفكر الاسلامي الفكر والعلم وخلال عدة قرون يحاول الآن بعض المعاصرين العودة للعلم ولكن من خلال ادلجته ومحاولات اعتبار القرآن موسوعة علمية.

اسماعيل الفاروقي، سيد حسين نصر ومحمد نقيب العطاس: اصحاب اسلمة العلم

لقد كانت المبادرة الاولى لاسلمة المعرفة للمفكر الماليزي سيد محمد نقيب العطاس حوالي عام 1969 [3] وسار على ذات الاتجاه الكثير من الاسلامين مثل المفكر الايراني الامريكي سيد حسين نصر والمفكر الفلسطيني الامريكي اسماعيل الفاروقي واخرون. ولكن هناك كذلك الكثير من المفكرين الاسلاميين يرفضون هذا الاتجاه جملة وتفصيلا ويعتبرونه محاولة استعلائية على الفكر الاسلامي ومنهم احمد ابراهيم خضر [4]. أسلمة العلم المعاصرة ما هي الا محاولة للتوفيق بين العلم المعاصر والقيود الفكرية التي فرضها الغزالي.[5] المشكلة هي ان هؤلاء المحدثين يعوا جيدا سعة الفجوة العلمية بين المجتمعات الاسلامية والغرب ألا انهم  لم يدرسوا سبب مشكلة الانفصال التي حدثت منذ قرون بين العلم والفكر الاسلامي وكان فكر الغزالي واحدا من الاسباب والتي قادت الى الانغلاق الفكري . انهم الان يطمحون لتحوير الفكر العلمي ليستوعب فكر عمرهُ قرون عدة وعصي على التحديث. لاشك في انها مشكلة فكرية قادت وتقود يوميا الى كوارث كبيرة. أن الفكر الذي قاد الى خمود النشاط العلمي الوليد لا يمكنه ان يبعث الحياة في جثة العلم التي قتلها وتفسخت منذ قرون.

ابن الهيثم: له الريادة في استخدام المنطق الرياضي والتجريبي

أن طرح المحاولتين اعلاه (الاعجاز والاسلمة) يجب ان يتم عن دراية بالفكر العلمي وطبيعته . العلم اساسا هو منطق بحثي (منهج) وليس مجرد انجازات اونظريات علمية. اضافة لذلك ان العلم ينعكس على ذاته ناقدا ودارسا وهكذا نجد ان المعرفة العلمية تتميز بالمحدودية في مجال دراستها (ضمن ظروف معينة) وقابلة للتعديل والتغيير بالمنطق العلمي ذاته. في العلم لا توجد قُدسية ومعرفة مطلقة غير قابلة للتغيير. والمعرفة العلمية لا تنقل بالتواتر ولا تقبل الا من خلال شروط معينة يقرها منهج البحث العلمي. العلم يقبل النقد ويطلبه حيث لا تطور علمي من دون نقد ومراجعة. لذا كثيرا ما نجد وبالخصوص في حافات العلم الحديثة اختلافات ونقاشات حادة.

ولكن في الختام يكون الحسم للدليل التجريبي. وحتى في مجال العلوم الانسانية التي اخذت بالانضواء تحت مظلة العلم من خلال منطق محكم ودقيق اخذت تبني مسارها المنطقي ونقدها المستمر بحثا عن اعلى موثوقية علمية. وفي هذا الصدد اذكر نقد الاكاديمي إدورد سعيد للاستشراق.[6] لم يرفض سعيد الاستشراق كمنهج بحث علمي رصين بل نقد ممارسات المستشرقين. لذا فهولم ينقد المنهج باعتباره فاشلا بل نقد اسلوب استخدام هذا المنهج.

فرانسيس باكون: ادخل الافتراض العلمي والتحقق التجريبي

لم يكن المنهج العلمي قد تطور بعد في فترة النهضة العلميه العربية-الاسلامية. ولكن كانت هناك بوادر لنشوء هذا المنهج ويمنح مؤرخي المنهج العلمي الحسن بن الهيثم (965-1040م) الريادة في استخدام المنطق الرياضي والتجريبي في بحوثه في مجال البصريات كما عرف الحسن الاستقراء والنقد المنطقي[7]. وهذه من عناصر المنطق العلمي الحديث الذي اخذ شكله المعاصر من خلال ابحاث فرانسيس باكون (1561-1626 م) والذي ظهر بعد اكثر من خمسة قرون بعد الحسن بن الهيثم. لقد ادخل باكون الافتراض العلمي والتحقق التجريبي. ومما يجدر ذكره في هذا المجال تفسيره العلمي للتحقق من نظرية النذور التي يلجئ لها البعض من المؤمنين في حالات من الضعف اوالاستنجاد. [8] لقد كان من المعتاد ان يفخر رجال الدين بذكر المؤمنين الذين تحققت نذورهم ألا ان باكون تسائل لماذا لا يُذكر عدد الذين لم تتحقق نذورهم؟ أن اثبات نظرية تحقق نذور المؤمنين يجب ان تخضع لتحقيق احصائي   كما نسميه في زماننا الحالي وليس مجرد ادعاء بتحقق مطالب المؤمنين.

 

لولم تحدث النكسة الفكرية التي قادت الى تدمير بواكير النشاط العلمي في الحضارة الاسلامية فلربما كان فكر الحسن بن الهيثم قد تطور محليا ليقود الى انجازات علمية اسبق مما قاده منهج فرانسيس باكون.

والآن اين تكمن اشكالية ادلجة الفكر العلمي ؟ العلم كمنهج (العلوم الطبيعية) بحث يتطلب: [9]

1-    تحديد الظاهرة المطلوب دراستها والتاكد من صحتها. أي البداية تكون جهلا اوشكا.

2-    البحث عن افتراض لتفسير الظاهرة .هذا الافتراض يجب ان يقدم اضافة لتفسير الظاهرة موضوع البحث تنبئات غير معروفة . في حالة اكتشاف اوحدوث هذه التنبوءات فان ذلك يزيد من مصداقية الافتراض.

3-    اختبار الافتراض بالتجربة اوبالمراقبة كما في البحوث الكونية. نتيجة العملية قد تعزز الافتراض اوقد تقود الى رفضه اوتعدله.

 

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)

 

[1] انظر القالة للمؤلف على موقع المصلح:  The natural sciences between religion and religious thought

[2] M. I. Sanduk, Growth of science under the influence in Arabic-Islamic and Western Civilisations, 700-1900 Statistical Models

[3] S. M.  Al-Naquib Al-‘Attās, Islam and Secularism, Hindustan Publications, Delhi, 1984

[4] ا. خضر: حول ظاهرة اسلمة العلوم، http://www.alukah.net/Culture/0/28204

[5] S. M.  Al-Naquib Al-‘Attās, Islam and Secularism

[6] E. Said, Orientalism, Vintage Books: New York, 1979

[7] J.C. Plott, Global History of Philosophy: Vol.V, The Period of Scholasticism, Motilal Banarsidass, 2000

[8] S. Matthews, Theology and science in the thought of Francis Bacon, Ashgate Publishing, Ltd., 2008

[9] J. Kemeny, A Philosopher Looks at Science, Van Nostrand Company, Inc., 1959