العفيف الأخضر

في جميع الأديان الكبرى يتعايش سلميا دينان منفصلان: دين الإيمان ودين التاريخ؛ ما عدا الإسلام فما زال فيه إسلام الإيمان وإسلام التاريخ في حرب دامية. دين الإيمان هو علاقة حميمة بين المؤمن وربه، عبر ممارسة شعائره وتقديس كتبه، وأماكنه وشخصياته الدينية دون سؤال. أما دين التاريخ فسؤال كله؛

إذ هو علاقة بين الباحث – بمن في ذلك المؤمن – والدين، كموضوع بحث، على ضوء علوم الأديان مثل تاريخ الأديان المُقـَارَن، والسوسيولوجيا الدينية، والانتروبولوجيا الدينية، وعلم النفس، واللسانيات والاركيولوجيا (علم الآثار) الخ التي تطرح عادة من الأسئلة أكثر مما تقدم من الأجوبة.

في المجتمعات البدائية لم يكن الفصل بين دين الإيمان ودين التاريخ ممكنا

في المجتمعات البدائية حيث كل شيء دين، وكل ما في الأرض مقدّس، لم يكن الفصل بين دين الإيمان ودين التاريخ ممكنا. في القداسة المعمَّمة العقل البشري عاجز عن دراسة العقل الإلهي. فقط بانتقال البشرية تدريجيا من الطبيعة إلى الثقافة يأخذ المقدَّس في التخلي عن مساحات أكبر فأكبر للفكر الدنيوي لدراسة الظواهر الطبيعية والاجتماعية. أسهمت الديانات التوحيدية، بما فيها الإسلام، في رفع القداسة عن الطبيعة التي غدت حينئذ مختبَرا للعقل البشري لإنتاج العلم والتكنولوجيا، لذلك يكره هايدغر، عدو العلم والتكنولوجيا، الديانات التوحيدية مفضلا عنها الأساطير الوثنية التي تضفي القداسة على الطبيعة حائلةً هكذا دون تحويلها لحقل للعلم والتكنولوجيا. لكن الديانات التوحيدية التي تطورت انطلاقا من المقدَّس احتفظت منه بإضفاء القداسة على بعض مؤسسات ومنتجات العقل البشري التي أصبغت عليها، بالشريعة، شرعية دينية مجردةً لها من شرعيتها المحايثة: شرعية العقل البشري، شرعية إرادة البشر الذين أنتجوها.

أسست الحداثة منذ 6 قرون الفصل بين العقلين الإلهي والبشري حاصرةً الدين في الفضاء الخاص، الروحي، بما هو شأن الضمير الفردي وتاركةً للعقل البشري إدارة الفضاء العام، الزمني، بقوانين وضعية وعقلانية ودراسة ظواهر الطبيعة والمجتمع بما فيها الظاهرة الدينية بالعلوم المختصة فيها. وهكذا يبدو إدعاء الإسلام السياسي حق التحكم في الشأن الدنيوي بواسطة حكومة الفقهاء نكوصا إلى حقبة تجاوزها التطور التاريخي. فما كان في الطبيعة والمجتمع يفسره الدين باتت تفسره العلوم المختصة.

الطبيعة: مختبَرا للعقل البشري لإنتاج العلم

ولا تنازعها في ذلك الديانات الراشدة؛ الدين الراشد هو الذي يتخلى عن الشأن الدنيوي لأهله منتقلا من "شريعة الظاهر إلى شريعة الباطن" كما سمّاها المتصوفة المسلمون، أي الانتقال من التديّن الموسوس السادي الذي يراقب ويعاقب متلصصا على حميميات الناس من ثقب الباب لإحصاء أنفاسهم وفرض النظام الأخلاقي عليهم، إلى التدين المسالم، الفردي الذي يكون فيه المؤمن مسؤولا عن نفسه فقط ومحترما لخيارات الآخرين الدينية والدنيوية. وهذا ما حققته، في أرض الإسلام، حكومة طيّب رجب أوردوغان الإسلامية بإلغائها للعقوبات الشرعية السادية: عقوبة الإعدام، والزنا، والمثلية والردة معترفة دستوريا للمسلم التركي بالحق في تغيير دينه وبالاحرى بالبحث الحر فيه.

هذا مؤشر قوي

على بداية تسلل

الحداثة إلى

المشروع

الإسلامي

المضاد لها

وهي مهام ملحة ما زالت تنتظر الانجاز في باقي أرض الإسلام التي يحكمها غالبا الجبن السياسي. بالتوازي مع هذا الانجاز التاريخي، هي الآن بصدد تحقيق انجاز تاريخي ثان هو تفسير القرآن، على ضوء القراءة التاريخية النقدية التي أُعيد بها تعريفُ النصين اليهودي والمسيحي، لإعادة تعريف النص القرآني بها أيضا بإلغاء ما نسخه التطور التاريخي من أحكامه؛ وكمؤشر قوي على بداية تسلل الحداثة إلى المشروع الإسلامي المضاد لها، فإن قادة الحركات الإسلامية – باستثناء التونسية – لم يستنكروا حتى الآن هذه "البدعة" غير المسبوقة في أرض الإسلام.

هذان الانجازان الواعدان يؤسسان للاعتراف الرسمي بشرعية إسلام التاريخ ليستطيع الإسلام أخيرا الوقوف جنبا لجنب مع اليهودية والمسيحية والهندوسية والبوذية مرفوع الرأس فلا يعود خَجِلا من محاكمة باحثيه مثل د. نصر حامد أبو زيد، ولا من اغتيالهم مثل فرج فودة ولا من شنقهم مثل محمد محمود طه، ولا من سجنهم مثل محسن كاديفار، ولا الحكم عليهم بالإعدام مثل علي أغجري، ولا ارغامهم على الهجرة مثل عبدالكريم سورش... كيف يستطيع إسلام التاريخ تحقيق هذا الهدف؟

1- بالفصل بين القرآن والعلم. الدين بما هو رموز لا يستطيع تفسير الظواهر علميا، حسبه مجرد التعبير الرمزي والمجازي عنها كما فعل المتصوفة. أما العلم، فهو الوحيد المختص في فهمها وتفسيرها بالخطأ القابل للتصحيح حينا وبالحقيقة القابلة للاكتمال حينا. الدين يفسر الدين والطبيعة بالدين. أما العلم فيفسر الدين بعلوم الأديان والطبيعة بعلومها.

مخطوطات صنعاء: من أقدم النسخ الموجودة من القرآن

2- بتصحيح ميل إسلام الإيمان إلى انتزاع أحكامه وشريعته من السياقات التاريخية التي أنتجتها لجعلها عابرة للتاريخ، أي صالحة لكل زمان ومكان. أما إسلام التاريخ فينزّلها في ظروفها التاريخية. عندئذ تغدو، ككل ما هو تاريخي، خاضعة لقانون التطور إذن مؤقتة. وهكذا تصبح الشريعة غير صالحة لجميع الأزمنة ولجميع الأمكنة. وهذا اليوم واقع معيش، فالدول الدينية كإيران والسودان والسعودية أُضطرت إلى نسخ كثير من أحكام الشريعة عندما طبقت القوانين التجارية والبحرية الوضعية وتعاملت مع المصارف العالمية "الربوية" واستثمرت في " قمار" البورصة، وأقامت العلاقات الدبلوماسية مع "دار الكفر" بل وحتى مع "دار الأوثان" كالهند والصين والكوريتين واليابان... بل وارتبطت مع بعض دولهما بصداقات حميمة أحيانا. أما الحكومة الإسلامية في تركيا فقد نسخت ما أبقت عليه عَلمانية أتاتورك من أحكام شرعية... وهي جميعا انتهاكات محرمة ومجرمة شرعا. ألا ينهض ذلك دليلا على عدم صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان؟ قال الامام مالك: "عدول كل زمان بحسبه" ونقول نحن : شرائع كل زمان بحسبه.

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)