ثارت الشعوب على حكامها فهل يثور المسلمون على فقهائهم؟

جمال البناء

كان قيام الثورة المصرية إيذاناً بأن عهد الخيانة وقهر الشعوب وتبديد ثرواتها وجعل مقاديرها بيد «شلة» أو«جونتا» أو«مافيا» من المنتفعين والعملاء، وأن إبقاء الجماهير مستغلة مستسلمة مستخذية قد انتهى. ولكن هذه الثورة لن تستطيع تحقيق أهدافها ما لم تقم بجانبها ثورة أخرى تعمل لتحرير الجماهير من القوى التى تتمسح بالدين والتى تتملك وجدان الشعب،

والتى اتسمت باتجاهات مغرقة فى الرجعية والتخلف، لأنها تقوم على تقليد الأسلاف الذين وضعوا منظومة المعرفة الإسلامية منذ ألف عام، وعدم الاجتهاد أوالتفكير، ودفعت إلى الصدارة والمقدمة بأشد عناصر القوى الدينية تخلفاً، وهم الذين يسمون أنفسهم «السلفية»، والذين يأخذون بأشد صور السلفية تقييدًا وتشديدًا، وهى السلفية الوهابية التى وضعها محمد بن عبد الوهاب فى السعودية منذ مائتى عام، والتى انتعشت مع انتعاش السعودية وبروز دورها بما يتناسب مع ارتفاع أثمان البترول بدءًا من حرب أكتوبر من ٣ دولارات إلى ٤٠ دولاراً، ثم سار الارتفاع حتى جاوز المائة دولار، فتوفرت للسعودية والخليج أموال طائلة خصص بعضها لتعزيز دعوة السلفية الوهابية.

 الثورة المصرية: في انتظار ثورة أخرى

من ناحية أخرى فإن العجز الذى أصاب الأزهر طوال فترة استلحاق الدولة له من أيام عبد الناصر وتعيين شيخه طبقاً لإرادة الحاكم، مما حرم الأزهر من الاستقلالية والريادة، وكذلك احتجاز دعوة الإخوان المسلمين التى تعد أقوى التجمعات الإسلامية وأكثرها انفتاحًا وراء جدران السجون طوال مدة حكم عبدالناصر حتى الآن، فلما جاءت الثورة حررتهم، ولكن هذا لم يغير الصورة «الرجعية» للهيئات الدينية، لأن الاختلاف هوفى الدرجة وليس الطبيعة، فمعظم الدعوات الدينية رجعية تعتمد على النقل أكثر مما تعتمد على العقل وتقف موقفاً معارضًا لما حفل به العصر من مستجدات، وقد تدور مباحثات لتعاون الإخوان المسلمين مع السلفيين بحيث يصبحون أكبر القوى فى الشعب.

وهكذا.. ففى حين نرى ثورة ٢٥ يناير التى قام بها شبان مثقفون استعانوا فى حركتهم باستخدام صور التقدم فى النت والفيس بوك والاتصالات الإلكترونية، فإننا نجد قوة أخرى صاعدة.. منظمة.. قوية، تعتمد على المقوم الدينى وهوأقوى مقومات الشخصية المصرية، وترجع بالشعب إلى الوراء، وتقاوم إعمال العقل، وتحكمها العادات والتقاليد والخرافة، مما يمكن أن يوقف سير الثورة، ويعود بها إلى الوراء.

لابد من القيام بأسرع ما يمكن بالثورة الإسلامية التى تستهدف القضاء على الأفكار التى ألصقت بالأديان على مر العصور، وجعلتها تقاوم التطور وترفض عالم العصر وتعيش فى الماضى ولا تأبه للمستقبل.

إن الإسلام على

أهميته القصوى

ليس إلا بُعدًا

واحدًا من أبعاد

متعددة للحقيقة

إن المجتمع الإسلامى يقف اليوم كما وقف المجتمع الأوروبى قبل الثورة الفرنسية التى قضت على السلطة السياسية للبابوات، التى كانت تفرض نفسها على الملوك، وقبل إصلاح مارتن لوثر الذى قضى على الرهبان ورجال الكنيسة وهيمنتهم على الجماهير وعامة الشعب بما يقدمون من خرافات وما يدعونه من قوى، وبهذا تحرر مجال السياسة، ومجال الفكر والعقيدة من هيمنة المؤسسة التى حكمت أوروبا، وكان كل الشعب الأوروبى يطلق عليها «أمنا الكنيسة».

وليس عبثاً أن إصلاح مارتن لوثر سبق فترة الاستنارة و«الرينسانس» ومهد لها بحيث جعل الشعوب تستوعب الفكر الجديد الذى كشف عنه فلاسفة الاستنارة.

لقد أدت عوامل عديدة إلى تأخر ثورة الإسلام منذ أن ظهر الثورى العظيم جمال الأفغانى ونفخ فى الصور ليوقظ المسلمين الذين كانوا فى سبات عميق، وليعيد الأمل والثقة إلى نفوسهم بعد أن كانوا يؤمنون أن الاستعمار قـوة قاهرة وقضاء من الله لا راد له، وقد أيقظ جمال الأفغانى النيام وأحيا الآمال وهز أسس الحكم المستبد فى الداخل وسيطرة الاستعمار من الخارج، ولكن وقته لم يتسع لغير ذلك.

 مارتن لوثر: المحرر من هيمنة المؤسسة التى حكمت أوروبا

وشغل المصلحون الذين جاءوا بعده بناحية أوأخرى من نواحى الفكر الإسلامى، وغلبت الأكاديمية على بعضهم بحيث لم يؤثر تأثيرًا حاسمًا فى الإصلاح، وقد كان أجدر هؤلاء المصلحين ليقوم بهذا الإصلاح هوحسن البنا، ولكن غلب على حسن البنا التنظيم على التنظير بحيث استوعب جهده بناء «الإخوان المسلمين»، كما أنهم ما كانوا يمكن أن يجاوزوا الحدود الآمنة، أوأن يتصف إصلاحهم بالثورية المطلوبة.

إن ما يثير الدهشة أن هذه الثورة الإسلامية موجودة تعمل منذ عدد من السنين وهى «دعوة الإحياء الإسلامى» التى دعا إليها صاحب هذه الكلمات، ولكنها تحارب حربًا شعواء، لأنها لم تصدر من الأزهر ولم تلبس عمامة، ولم تسر فى المسار التقليدى الذى يفرض الالتزام بآراء الأئمة والأسلاف التى وضعوها منذ ألف عام، واعتبرت هى أصول الفكر الإسلامى.

ولم يتوفر لأحد ما توفر لدعوة الإحياء الإسلامى من عناصر وملابسات مكنتها لأن تقدم «المشروع الإسلامى» النهضوى كاملاً، لا يغفل ناحية من نواحيه، فتناول الحكم، والاقتصاد، والاجتماع، وعُنى بوجه خاص بموضوع النساء والعمال، وقدم بحوثاً مستفيضة فى هذين، بالإضافة إلى إصلاح أصول الفقه فى كتاب «نحوفقه جديد» فى ثلاثة أجزاء، ونقده وتنقيحه لأكثر كتب التراث قداسة وهو«صحيح البخارى»، بتأليف كتاب «تجريد البخارى ومسلم من الأحاديث التى لا تلزم»، وكتاب «جناية قبيلة حدثنا» وضبط السُـنة بمعايير صارمة من القرآن والعقل.

فإذا حدث أن 

النص لا يحقق

العلة عدلنا فى

النص بما

يحقق الغاية

وكان سر الإبداع فى دعوة الإحياء الإسلامى أنها كانت متفتحة على عالم العصر مؤمنة بما جاءت به الحضارة الأوروبية من إنجازات مما يُعد من قبيل «الحكمة» التى تقبلها القرآن، بل وقرنها بالكتاب، وفى الوقت الذى حالت عقلانيتها دون التأثر بكل ما حُشيت به كتب التراث من خرافات، فإن الجذر العميق للإسلام وكان يدور حول القرآن حال دون أن تنحرف عنه، ومن هنا توصلت إلى إسلام يعايش العصر ويمكن أن يجابه تحدياته وملتزم فى الوقت نفسه بما جاء به القرآن. 

كان المطلوب هوإعادة تأسيس وفهم منظومة المعرفة الإسلامية، ولم يكن كافيًا أى إصلاح جزئى أوترقيع فى الفكر السائد، أوتجاهل لحضارة العصر، وهذا ما جاءت به دعوة الإحياء الإسلامى وما يمكن أن نجمله فى:

١- الإنسان المستخلف هوالغاية التى جاء لها الإسلام، فالإنسان هوالغاية، والإسلام هوالوسيلة. 

٢- المساواة فى الحقوق والواجبات بين الناس جميعًا، وبلا استثناء هى أساس مجتمع الإنسان المستخلف.

٣- العقل، وما ينشأ عنه من علم ومعرفة هوما يميز الإنسان وما جعل الملائكة تسجد له، ولهذا فإن العقل أساس النظر الدينى، ولا شىء يستعصى عليه سوى ذات الله وطبيعته والعالم الآخر، ويستتبع هذا إشاعة العلم والمعرفة فى المجتمع. 

حسن البناء: غلب عليه التنظيم على التنظير

٤- العودة إلى القرآن الكريم واعتباره كتاب هداية وعدم الالتزام ضرورة بكل التفاسير وكل ما جاء به المفسرون من نسخ أوأسباب نزول، إن الصياغة القرآنية فيها قوة الهداية والقرآن يؤتى أثره بالانطباع، لقد كانت التفاسير افتياتاً على القرآن وتقولاً عليه بما لم يقل، ولهذا لم يستفد المسلمون من القرآن، وهوروح الإسلام وأداة التحرير والثورية فيه، وكانت هذه التفاسير فى الحقيقة من أسباب تأخر المسلمين.

٥- السُـنة يجب أن تـُضبط بضوابط القرآن، وليس لها تأبيد القرآن، وهذه القضية من أكبر قضايا الفكر الإسلامى، لأن السُـنة كانت الباب الذى دخل منه أعداء الإسلام وتمكنوا من وضع الألوف من الأحاديث التى تطعن فى القرآن وتشوه العقيدة، بل وتشوه صورة الرسول، وانطلى هذا كله على المحدثين الذين حرصوا على تجميع الأحاديث والروايات، واعتبروا أن الإسناد دليل صحة، فى حين أنه كان وسيلة الدس التى مرر بها الوضاعون أحاديثهم، وليس من المبالغة أن بعض المحدثين توصلوا إلى «إرهاب» الناس وفرضوا السُـنة على القرآن وفضلوها عليه.

٦- اعتبار «الحكمة» أصلاً من أصول الإسلام، لأن القرآن قرنها بالكتاب، وقال «وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»، وَالْحِكْمَةَ هى كل ما انتهت إليه البشرية من أحكام ومبادئ وأصول ثبتت صلاحيتها على مر الأجيال، وليست هى بالطبع السُـنة، كما ذهب إلى ذلك الشافعى.

السلفية هى

الماضوية ولا

نستطيع أن

نعيش حاضرنا

فى ماضينا

٧- اعتبار الزكاة فريضة مقدسة كالصلاة وتنظيمها بحيث تؤدى دور «الضمان الاجتماعى والتأمين»، إن الفقهاء لا يزالون يعالجون الزكاة بالدرهم من الذهب والفضة، ولا يزالون يتساءلون عما إذا كانت تفرض على غير الإبل والشياه والنخيل، وكيف توزع. إلخ، إن المفروض أن نتعامل معها بطريقة العصر، فهى تفرض على كل الثروات والأموال التى تزيد عن حد معين، ويمكن أن يوضع لها كيان شعبى تطوعى منظم ومنهج، كما يمكن أن تقوم الدولة به عن طريق جهاز مستقل عنها تمامًا (مثل القضاء)، وتكون ميزانيتها مستقلة تمامًا عن ميزانية الدولة لدرجة أن القائمين عليه لا يتقاضون أجورهم من الدولة، ولكن يأخذونها من الزكاة نفسها، وتصرف منها على محدودى الدخل ومن يتعرض للبطالة والمرض.. إلخ، طبقاً لما هومتبع فى نظم الضمان الاجتماعى وهى الترجمة الحديثة لما يقولون عن «مصارف الزكاة».

 جمال الأفغانى: أيقظ النيام وأحيا الآمال

٨- كل ما جاءت به الشريعة من أحكام عن الدنيويات، وسواء كانت فى القرآن أوالسُـنة إنما أنزلت لعلة هى بصفة عامة العدل والمصلحة، فإذا حدث أن جعل التطور النص لا يحقق العلة (أى العدل والمصلحة) عدلنا فى النص بما يحقق الغاية، وهو ما اهتدى إليه عمر بن الخطاب فى اجتهاداته المعروفة، كما يحدث أن يقضى التطور على العلة نفسها لينتفى الحكم، كما كان فى أحكام الرق أوالغنيمة أوالجزية.. إلخ، فالإسلام لم يوجد هذه النظم وإنما وجدها وحاول إصلاحها حتى وصل التطور إلى درجة تمكن من القضاء عليها، وهوما أراده الإسلام.                                   

٩- مجاوزة السلفية وعدم الاعتداد بها، فالسلفية هى الماضوية ولا نستطيع أن نعيش حاضرنا فى ماضينا.

١٠- استبعاد فكرة أن الإسلام يسيطر على كل شىء، إن الإسلام- على أهميته القصوى- ليس إلا بُعدًا واحدًا من أبعاد متعددة للحقيقة كالعلوم والفنون والآداب والفلسفة تنطلق كل من منطلقها الخاص، وتقدم عطاءها الذى وإن اختلف عن عطاء الدين، فإنه لا يزاحمه ولا يناقضه، كما لا يستبعده الدين.

١١- حرية الفكر والاعتقاد مطلقة والعلاقة ما بين الأديان هى علاقة تعايش. 

١٢- تحرير المرأة من الدونية التى جاءت بها بضعة أحاديث ضعيفة أوموضوعة، وتقرير مساواتها بالرجل.