يوسف أبا الخيل

اعتدنا داخل محيطنا الإسلامي أن نصنف الخطابات إلى أنماط متعددة, فهناك النمط المتشدد وله ممثلوه, وهناك النمط المعتدل وله وجوهه وأشياعه. كما أن حالة الاستلاب العقلي الجمعي قد تسمى نمطاً ثالثاً ب"النمط المميع" بممثليه الذين قد يُختارون رغماً عنهم. والخطاب السلفي ليس بدعاً من نمطية التصنيف تلك, فهناك من الأصوات التي تتكلم باسمه وتعمل لحسابه من توصف بأنها أصوات متشددة, ومن توصف بأنها في صف الاعتدال. لكن الذي يغيب عن المشهد لحظة تعريض الأنماط الخطابية لآلية الفرز الثقافي،

أن الفاصل بين التشدد والاعتدال سيكون في الدرجة لا في النوع طالما كانت الأنماط تغرف من منظومة معرفية واحدة لها ثوابتها التاريخية, لأن الرؤى التي تُنتج داخل النمط, معتدلاً كان أم متشددا, ستظل مرتبطة بتلك الثوابت وفية لها, وإن شئت فقل: كلاهما يستمد وجوده المعرفي من الوفاء لتلك الثوابت.

أن الفاصل بين

التشدد والاعتدال

في الدرجة لا

في النوع

ومن نافلة القول التأكيد على أن الاستنباطات والآراء والاجتهادات بين الأنماط ستظل, طالما ظل الفرق كامناً في الدرجة فقط, معرضة للتباعد في فترة زمنية معينة, مثلما أنها معرضة لأن تتقارب, أو حتى تتماثل, في فترة/فترات زمنية أخرى طبقاً للمعطيات العديدة للسياق الحاضن. ذلك أن فارق الدرجة مثلما هو قابل للتوسع وفقاً لمعطيات عناصر الاجتماع الضاغطة, فهو قابل للضمور أيضاً لا بنفس الدرجة, بل ربما بوتيرة أسرع كثيراً من وتيرة التوسع. بل يمكن القول إن التوسع في الفارق يظل ضئيلاً وبطيء التحرك, قياساً بالتراجع الذي يظل صاحب المبادرة والمبادأة, انطلاقًا مما تفرضه أدبيات الجذور التي تمد كلاً منهما بنفس الإكسير.

لو عدَّيْنا تلك المعطيات لحياض النص الديني لوجدنا أن ما يحدد الفارق الدَرَجي(= من الدرجة), بين التشدد والاعتدال, هو تأويل النص لحساب مواضعات ظرفية. وبالتالي, فسيظل الفارق هامشياً غيرَ قادر على مقاربة مقاصد النص, نتيجة لعدم قدرته على استصحاب المعايير البنيوية التاريخية التي نشأ ذلك النص في ظلها. والنتيجة المترتبة على هذا النوع من التأويل المواضعاتي أن التعايش مع رؤية متشددة تصدر"فجأة" مِن مَن يوصف بالاعتدال, أو العكس, أي التعايش مع رؤية معتدلة قد تصدر مِن مَن يوصف بالتشدد, لا تشكل في نظري مفاجأة, طالما أن كلا الرؤيتين تمتحان من نظرة (لاتاريخية) للنص.

 سيد قطب: أمم الأرض تقف جميعها في صف عدائي واحد ضد الإسلام

هنا يمكن القول إن الفارق النوعي (الذي هو ضداً على الدرجي) لا يمكن أن يدشن في الاجتماع البشري إلا من خلال قطيعة إيبيستيمولوجية(=معرفية) مع ما يؤسس تلك الرؤى التي ستراوح مكانها, في حالة غياب تلك القطيعة, على خط واحد ينطلق من قاعدة الصفر حيث أقصى درجة للتشدد, إلى قمته التي تمثل أقصى درجة للتسامح, وبينهما درجات تستطيع الرؤى أن تتنقل بينها تبعاً للظرف السياسي أو الاجتماعي الآني من جهة, و/أو تبعاً لمعطيات الظرف البراغماتي من جهة أخرى.

والقطيعة الإيبيستمولوجية, وإن كانت مصطلحاً غربياً حديثا, إلا إن تعدية مفهومها إلى ساحة النص الديني ممكنة من خلال إحلال رؤية بنيوية تعيد زرع النص في تاريخه الذي نشأ فيه ولحاجته, ومن ثم تفهم ما كان النص يبتغيه عند تدشينه. أما الاعتدال أوالتشدد بالغرْف من نفس الأسس فإن كلا من الوصفين لا يعدو أن يكون نتيجة تأويل خاص للنص. وهو تأويل يراعي, في أفضل حالاته, معطيات الظرف الآني ليس إلا. ومن ثم, فليس مفاجئاً أن ينقلب إلى تأويل معاكس فور زوال الظرف الضاغط, أو مراعاة لما تقتضيه الظروف البراغماتية المتغيرة.

دعونا نتموضع قليلاً على أرض الواقع بعيداً عن الاسترسال في التجريد.

لنأخذ مفهوماً إسلامياً رئيسياً كمفهوم: الجهاد, ولنطبق المعطيات السابقة عليه له من خلال المقارنة بين رؤيتين إسلاميتين متضادتين نظرياً, إحداهما توصف بأنها تقع في ذروة سنام التطرف, والأخرى لا تَعدم من ينظر إليها بأنها تمثل قمة الانفتاح والتسامح. ومع هذا التضاد الظاهري, فهما يمتحان, في تدشين خطابيهما الجهادي, من رؤية (لا تاريخية) لا يقلل من(لاتاريخيتها) كون أحد الخطابين ينطلق من منطلقات عقدية سلفية بحتة, فيما الآخر يقتفي تراثا عقدياً أشعريا. وسنجد من خلال المقارنة أن الرؤيتين تتطابقان تماماً, فيما يخص وظيفة الجهاد في الإسلام, رغم بعد الشقة نظرياً بين خطابيهما.

ما يحدد الفارق

هو تأويل

النص لحساب

مواضعات ظرفية

الطرف الأول في المقارنة هو الرؤية القطبية, نسبة لسيد قطب, والذي يُنظر له على أنه رأس حربة التطرف الجهادي الحالي, إلى الدرجة التي جعلت رؤيته فيه,أعني الجهاد, بمثابة إنجيل الحركات الجهادية المتطرفة التي تتولى عولمة جهاد الطلب الذي يبتغي الأعداء في عقر دورهم(=الاعتداء على الدول والمجتمعات الآمنة). يؤصل قطب رؤيته للجهاد على أنه ابتغاء لغير المسلمين في عقر دارهم(=دولهم). ولا يتم ذلك إلا باحتلال تلك الدول وتغيير أنظمتها بالقوة, ثم إحلال أنظمة إسلامية بديلة لها. وإذا تم ذلك, فيمكن عندها ترك الحرية للناس ليتماهون مع ما يعتقدونه. وهذا منتهى التحريف لمضمون الحرية الدينية, فمجرد مقاتلة غير المسلمين بدعوى أن أنظمتهم تحول بينهم وبين الإسلام يشكل خرقاً فاضحاً للحرية الدينية نفسها.

بث سيد قطب رؤيته تلك في العديد من كتبه. ففي تفسيره الموسوم ب(ظلال القرآن),نجد أنه يفسر قوله تعالى:"لا إكراه في الدين", بجعلها مقيدة بقوله تعالى:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله", وبتأويله لقوله تعالى"والفتنة أشد من القتل" تأويلاً يخدم غرضه, ليخرج بنتيجة مفادها أن"الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها, وفتنة أهلها عنها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها. فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم". ولكي يصل إلى هدفه المتمثل في تقرير شرعية جهاد الطلب, فإنه يقرر من تلقاء نفسه أن العقيدة تتعرض للاعتداء في" أرجاء المناطق الشيوعية والوثنية والصهيونية والمسيحية", مما يعني أن أمم الأرض تقف جميعها في صف عدائي واحد ضد الإسلام, ولذلك فإن"من حقه(= الإسلام) أن يجاهد ليحطم النظم الباغية التي تقوم على عبودية البشر للبشر. ولم يكن بدٌ أن تقاومه تلك النظم الباغية في الأرض كلها وتناصبه العداء. ولم يكن بدٌ كذلك أن يسحقها الإسلام سحقاً ليعلن نظامه في الأرض". هكذا إذاً هي رؤية سيد قطب لوظيفة الجهاد في الإسلام, إنها وظيفة تجعل الإسلام في حالة احتراب دائم مع أربعة أخماس البشرية بدعوى محاربتهم للإسلام, وبغرض التمكين للدعوة الإسلامية لأن تصل إلى الناس, ثم يتركون بعد ذلك أحراراً في اتباعها من عدمه!

أما الرؤية الأخرى التي نريد أن ندخلها في مجال المقارنة هنا, فهي رؤية حديثة لوظيفة الجهاد, قدمها مؤخراً الدكتور: سلمان العودة, وهو الرجل الذي يُنظر إليه حالياً على أنه يمثل أبرز نماذج التحول الفكري داخل الدائرة السلفية إلى أقصى ما يمكن أن تتحمله تلك الدائرة من انفتاح وتسامح, مما مكن لرؤيته"المنفتحة" أن تأخذ بألباب ثلة من الناس, لا من بين الإسلاميين المنفتحين فحسب, بل وحتى من كثير ممن يُحسبون على التوجه الليبرالي الخالص. مع ذلك, فقد رأى في مقال له بعنوان:(جهاد الطلب وجهاد الدفع), أن

"مقصد القتال في الإسلام هو حماية المشروع الإسلامي، حماية الأرض والملة والإنسان، وهذا يتضمن المدافعة قطعا، وربما كان من المدافعة (المبادأة والطلب!) أحيانا".

 سلمان العودة: جهاد الطلب يمثل الوجه الآخر لجهاد الدفاع

إذاً, نحن هنا أمام رؤية أخرى تؤكد أن من حق المسلمين أن يبادئوا خصومهم بالجهاد كإجراء (دفاعي!). ولا أدري كيف يمكن إقحام جهاد الطلب كلازم من لوازم جهاد الدفع؟ إلا إذا كان الدكتور يستعين, لتقرير رؤيته عن شرعية جهاد الطلب, بالمبدأ الرياضي الشهير:"خير وسيلة للدفاع هي الهجوم!".

ولكي يؤكد على شرعية جهاد الطلب, باعتباره يمثل وجهاً آخر لجهاد الدفع فإنه يؤكد مرة أخرى على أن

"الأمة التي تتهيأ للحرب والعدوان والقتال، ولا تربطها بالمسلمين عهود أو عقود أو مواثيق أو اتفاقيات، لا ثنائية ولا دولية فليس مطلوبا أن يترك الإسلام زمام المبادرة والمبادأة بيدها أبدا، بل قد تفرض ضرورة الحماية (مهاجمتها!) ابتداء, باعتبار هذا من ضرورات الدفاع".

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا على الدكتور سلمان سيكون على النحو التالي: من الذي سيقرر أن أمة ما(=دولة) بدأت تتهيأ للحرب والعدوان؟ هل هي الدولة بأجهزتها الاستخباراتية وإمكاناتها المعلوماتية, أم المجتمع نفسه؟ إن قال إنها الدولة, فيصطدم بأول مواثيق الأمم المتحدة التي تحرم اعتداء الدول على بعضها مهما كانت المبررات, إذ سيكون من واجبها الدفاع عن أراضيها, أو عن بيضتها وفقاً لمقولات الفقه القديم, حال الاعتداء عليها من قبل دولة أخرى, لكن أن تهاجم دولة أو دولاً غيرها بحجة أنها تتهيأ للهجوم عليها فليس ذلك إلا تعد صارخ على المواثيق الدولية, إلى الحد الذي يجعل تلك الدولة خارجة على القانون الدولي برمته, وبالتالي ستكون في حالة حرب مع العالم كله. أما إن قال إن المجتمع نفسه سيكون مسؤولاً عن المهمة, فسيشكل ذلك قفزاً على مبادئ الفكر السياسي الحديث, ورجوعاً بالمجتمعات إلى الفكر الإمبراطوري القديم, حيث يشكل الغزو والسبي أحد أبرز مبررات وجودها.

الدولة خارجة

على القانون الدولي

ستكون في حالة

حرب مع العالم كله

وثمة سؤال آخر لا يقل صعوبة منطقية عما سبقه, يتعلق الأمر بتحديد كنه الأمة التي ستبدأ بجهاد الطلب/الاعتداء, وهو سؤال مشروع في ظل الفكر السياسي الحديث الذي يظلل البشرية بظلاله, بتقريره مبدأ استقلال الدول في أقطار قومية لكل منها حدودها وأنظمتها المستقلة بالشكل الذي ينفي وجود الأمة على النموذج الذي يقصده الدكتور. وبما يحرم عليها التدخل في شؤون بعضها تحت أي ذريعة كانت, بما فيها الذريعة التي تدعو إلى مناجزة المسلمين لغيرهم بدعوى حماية المشروع الإسلامي أو بيضته, أو بدعوى إقامة نظام إسلامي عالمي على أنقاض العالم المعاصر! والنتيجة المترتبة على كلا الرؤيتين واحدة؛ لأن الأساس المتكأ عليه واحد في كليهما. رغم ما توصم به الأولى من بلوغها الغاية في التطرف, وما توصف به الثانية من بلوغها الغاية في الانفتاح والتسامح والمدنية!

لا أقصد من كلامي هذا وصم الدكتور العودة بأنه داعية تطرف, أو أنه يتبنى الاتجاه القطبي, أو أنه يتبنى عولمة جهاد الطلب على الطريقة القاعدية. كل ما أود التأكيد عليه هنا أن الصدور عن منظومة معرفية تقليدية تتأبى إعادة زرع مضامينها في التاريخ, يمكن أن ينتج رؤيتين قد تبدوان متضادتين ظرفيا, لكنهما في غفلة من العقل الواعي, يمكن أن يتقاربا, نتيجة تضيق المتسامحة شيئاً فشيئاً إلى أن تلتحم بالأخرى المتشددة, وإن لم يقصد صاحبها ذلك, كما هي حال الدكتور العودة!