العفيف الأخضر

كيف يستطيع إسلام التاريخ الوقوف أخيرا جنبا لجنب مع اليهودية والمسيحية والهندوسية والبوذية مرفوع الرأس؟ (تتمة من الجزء ١ من المقالة) 3 - بدراسة شخصيات الإسلام وتاريخه بعلوم الحداثة مفككا أسطورة "العصر الذهبي" وتقديمه على حقيقته بلا أوهام، بإنجازاته وإخفاقاته.

ألم يستنكر ابن خلدون، السني الأشعري، أمر عمر حرق مكتبة فارس؟ وبتفسير الفتنة الكبرى بفشل الشورى في إقامة حكم مستقر ورشيد، وليس بـ"مؤامرة اليهودي، ابن السوداء، عبد الله بن سبا" الذي اخترعته البارانويا الجمعية لتبرئة الذمّة.

الوسيلة المثالية لذلك هي تاريخ الأديان المقارَن الذي يكشف وَحدة الظاهرة الدينية في جميع الأديان الوثنية والتوحيدية. وبتحليل العوامل التاريخية التي جعلت الإسلام ينتصر داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها. ثم يأتي دورعلم النفس لكشف وتحليل الدلالات اللاشعورية لشعائره والبواعث والأعراض النفسانية لشخصياته المؤسِّسة وفهم نصوصه وأماكنه المقدسة وشخصياته التاريخية ومجازاته اللغوية ومنطقه الخاص ومذاهبه وفرقه المتنافسة، التي تدعي كل منها أنها "الناجية".

اقتبس الاسلام بعض شعائره من الثقافات السابقة - المانوية نموذجا

ويأتي دور السوسيولوجيا الدينية لفهم الدوافع المختلفة التي دفعت وما تزال الفاعلين الاجتماعيين، في كل عصر ومصر، الى استخدامه تحقيقا لمآربهم الدنيوية وهذياناتهم الدينية التي برروا بها قتل النفس في سبيل الله وقتل الأبرياء باسم الله من جمعية الحشاشين إلى حركات الاستشهاديين المعاصرين.

وهكذا فوظيفة إسلام التاريخ هي مساءلة ما تركه إسلام الإيمان دون مساءلة والإجابة عما تركه إسلام الإيمان بلا إجابة.

بهذا المسعى يُستعاد الإسلام وتراثه ومؤسسوه من الميتا تاريخ (= التاريخ الذي صنعته حتميات إلهية لا تأثير للإنسان فيها) إلى التاريخ الذي تحكمت فيه حتميات وإمكانيات بشرية. وحده إسلام التاريخ، باستخدامه لعلوم الأديان وخاصة لتاريخ الأديان المقارَن، يساعدنا على الانتهاء من النرجسية الدينية المنحدرة من الاثنية المركزية البدائية، "لا خلاص خارج الإسلام، الدين الحق، الإسلام هو الحل لمشاكل المسلمين والعالم، لا وجود لديانات أخرى، اليهودية والمسيحية كانتا شريعتين نسختهما الشريعة الإسلامية" الى أخر هذا الهذيان النرجسي الذي قد يشفي منه تاريخ الأديان المقارَن، عندما يقدم الإسلام، كأي دين، كإحدى الوقائع الثقافية التي اقتبست شعائرها من الثقافات السابقة لها كاليهودية والمسيحية والمانوية، من هذه الأخيرة اقتبس الإسلام كثيرا من عقائده "كختم النبوة و4 من أركانه الخمسة، الشهادة، الصلاة، الزكاة والصوم" (معجم القرآن ص 250)، لجعله قادرا على وضع نفسه موضع تساؤل وشك مُخرجا له من قوقعة يقينياته العتيقة.

صحة قراءة "حمئة" - قررتها المقارنة بالنص اليهودي  

وَحدة الواقعة الدينية الإسلامية مع الوقائع الدينية السابقة لها، بفعل عوامل متضافرة كتطور الفكر الرمزي والتلاقح الثقافي ووَحدة اللاشعور الجمعي، يجعل النرجسية الدينية غير ذات موضوع، ويجعل في الوقت نفسه الحوار بين الأديان ممكنا لقطع الطريق على حرب الأديان العالمية – والنووية ربما. تاريخ الأديان المقارَن، الذي هو محور إسلام التاريخ، بالرغم من كونه علما حديثا له جذور في الفكر الإسلامي الكلاسيكي؛ يروي الطبري في تفسيره أن عمرو بن العاص وعمرو بن دينار اختلفا في قراءة الآية 86 (الكهف):

حتى إذا بلغ (= ذو القرنين) مغرب الشمس وجدها تغرُب في عين حمئة

قرأها عمرو بن العاص "حمئة" وقرأها عمرو بن دينار "حامية"، فاحتكما إلى بن عباس الذي احتكم بدوره إلى كعب الأحبار، اليهودي الذي أسلم،:

ماذا عندكم في الكتاب يا كعب؟ أجاب إنها تغرب في عين فيها ثأط، أي طين أسود

فحكم عندئذ لقراءة عمرو بن العاص.

تاريخ الأديان المقارَن،

بالرغم من كونه علما

حديثا، له جذور في الفكر

الإسلامي الكلاسيكي

لم يستطع بن عباس تفسير حمئة إلا بعد مقارنتها بما في النص اليهودي. ولولا كعب لأعلن تعليق الحكم لتعذر الترجيح بين القراءتين. يقول مؤرخ الحضارات ارنولد توينبي إن "الإسلام هو الديانة اليهودية الثانية" نظرا لوَحدة الحقيقة الدينية بين الديانتين؛ ويفترض فرويد، حسب نظريته عن عودة المكبوت التي أكدها علم المصريات المعاصر، أنه بعد التثليث المسيحي، كان الإسلام هو عودة المكبوت اليهودي: التوحيد. ماذا أقول؟ بل أن القرآن نفسه يعترف بأنه نسخة من الكتب المقدسة اليهودية:

إن هذا لَفي الصُحف الأولى، صُحف ابراهيم وموسى (18، 19 الأعلى)

قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "هي كلها في صحف ابراهيم وموسى"، وعن بن عباس: "قال نُسخت هذه السورة من صُحف ابراهيم وموسى"، وعن قتادة: "تتابعت كتب الله كما تسمعون"، وعن الحسن رضي الله عنه قال: "في كتب الله كلها" (السيوطي، الدر المنثور في التفسير المأثور ج 6 ص ص 570، 571).

أسطورة خلق الكون وخلق آدم وحواء والطوفان اقتبسها القرآن من سفر التكوين وبدوره اقتبسها سفر التكوين من ملحمة جلجامش والأساطير السومرية والبابلية الأخرى. لكن، بما أن كثيرا من النخب الإسلامية هي اليوم في هذيان يبدو مزمنا، نجد د. عبدالصبور شاهين يتزعم، من جامعة القاهرة، المطالبة بـ"تطهير" تفسير الطبري من الإسرائيليات، ود. مصطفى أبو هندي، من جامعة الحسن الثاني، يطارد نفس الفكرة الثابتة في كتابه "التأثير المسيحي في تفسير القرآن":

"السؤال المحوري (...) إلى أي حد استطاع علم التفسير أن يعين القارئ على التعامل الجيد مع النص القرآني؟ (...) ما زال السؤال مثارا عن دوره (...) في تمرير معان أخرى غير قرآنية مأخوذة من اليهود والنصارى (...) في رسالتي "العقائد الإسرائيلية وأثرها في توجيه التفسير" (...) (قلت) ما يوجد في كتب التفسير من عقائد منحرفة مأخوذة من الإسرائيليات، إنما يرجع إلى العلوم الإسلامية وعلى رأسها علم التفسير" (ص 5) "إن الدارس لهذه الأشراط (= علامات قيام الساعة) يتكشف أن في الأمر ضلالا كبيرا ساهمت فيه المرويات اليهودية والمسيحية وما تأثر بها من مأثورات إسلامية عن الصحابة والتابعين وغيرهم ممن تتلمذوا على أهل الكتاب" (ص 203).

في كتاب هندي ليس تفسير الطبري وحده هو المحشو بالإسرائيليات بل التفاسير كلها عدى 3 فقط منها تفسير سيد قطب!

مسايرة لهذا المنطق المهووس بـوهم "نقاء" الإسلام من "لوثة" اليهود والنصارى تكون الخطوة القادمة هي المطالبة بـ"تطهير" القرآن الكريم نفسه من الإسرائيليات والنصرانيات. البداية قد تكون بقصص الأنبياء جميعا والضحية الأولى قد تكون سورة يوسف المتماثلة في الروايتين الرمزيتين اليهودية والإسلامية!

علم الانساب للافكار: ملحمة جلجامش كاصل لأسطورة الطوفان 

يا صناع القرار التربوي اتقوا الله في شبابكم. درّسوهم الثلاثي، إسلام التاريخ، وحليفه إسلام التنوير والإسلام الشعبي؛ إسلام التاريخ يعلمهم الفصل بين الإيمان والحقيقة العلمية، بين الدين والعلم، بين العلوم الشرعية وعلوم الأديان الحديثة كما يعلمهم الانفتاح، في عصر ثورة  الاتصالات ومجتمع المعلومات العالمي، على جميع الاديان الميتة والحيّة عبر تدريس علم الاديان المقارن.

لماذا؟ ليفهم الاسلام فهما تاريخيا يحميهم من تلاعب حركات المنتفعين به ويساعدهم على الاندماج في بوتقة الانصهار الثقافي العالمي؛ الإسلام التنويري يعلمهم الإيمان بما هو قناعة ذاتية داخلية يكوّنها كل فرد انطلاقا من تاريخه الشخصي الخاص؛ الإسلام الشعبي، طلب شفاعة الأولياء، يقدم لهم ملاذا نفسيا – روحيا ناجعا ضد القلق الوجودي والأمراض النفسُ – جسدية التي ما زال الطب يقف أمامها حائرا في ارض الإسلام حيث العلاجات النفسية نادرة وبدائية... وليعطي به من شاء معنى لحياته – فقط الدين والفلسفة يعطيان للحياة معنى -. الإسلام الشعبي، عبادة أسلاف حية وتجربة روحية، فردية صامتة أو جمعية صاخبة، لا تطالب، عكس عبادة الأسلاف الشرعية، لا بتطبيق الشريعة ولا بالجهاد وأقل من ذلك بحكومة الفقهاء.

كما لاتغلق الوعي الجمعي، دون الحداثة، بالضبة والمفتاح. إذا كانت عبادة الماضي، عبادة الأسلاف وعصرهم الذهبي ضاربة في أعماق النفس البشرية بما هي حنين إلى طفولة ما قبل الفطام (8 10 شهور) حيث كان الرضيع يرى نفسه امتدادا بيولوجي للأم... فدرّسوا عبادة الأسلاف في الإسلام الشعبي المسالم بدلا من عبادة الأسلاف في الإسلام الجهادي المحارب.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)