سيد القمني

يبدو أن سبب التخلف هم رجال الدين أنفسهم مع حلفهم الانتهاري عبر التاريخ، ثم ألا يبدو خطابهم اليوم خطابا يعود للقرون الوسطى إذا ما قورن بلغة الحداثة اليوم؟ تعالوا نقارن: في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن الفصل بين السلطات، يتحدث مشايخنا – أجلك الله – عن الدمج الكامل للسلطات الدينية والدنيوية في دولة مسلمة.

في الوقت الذي يتكلم في العالم عن الحرية وحق التفكير والإبداع والإعلان عن الرأي المخالف بحماية الدولة، يتحدث مشايخنا عن الخطوط الحمراء للأمة وثوابتها التليدة.

في الوقت الذي يتكلم في العالم لغة العلم والمدنية والحضارة نتكلم نحن بفقه الأموات ولغة زمان مضى لا يريدون له أن يمضي.

في الوقت الذي يرفع فيه العالم كل القيود عن الحريات نتحدث نحن هنا حد الردة والخروج عن معلوم من الدين بالضرورة وعدم الاجتهاد مع نص.

الأزهر: مفتش ضمير المفكرين

في الوقت الذي يحكم فيه العالم على ما يكتب المفكر من منطق الحجة والبرهان ومدى المصلحة المتحققة من هذه الكتابة، تحاكم مجامعنا المفكرين وتدينهم وتهدر دماءهم. وبالمناسبة أتذكر هنا أن المجمع المنوه عنه سبق وطالب مصادرة بعض أعمالي، وتمت محاكمتي، وتمت تبرئتي من تهمة الكفر (الازدراء بالأديان) والإفراج عن كتابي، فإذا كانوا يؤكدون صحة الحديث النبوي : "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها احدهما"، فهل مع براءتي يكون الأزهر قد باء بها؟

وفي الوقت الذي تتحرك فيه الدنيا في وثبات عملاقة علميا واقتصاديا يدعو مشايخنا إلى الثبات، لا بل إلى العودة إلى الخلق، إلى الزمن النبوي حيث خير القرون وهو ما أدى لاحتقار المسلم لزماننا ورفضه له بكل حضارته ومنجزاته. في الوقت الذي يصبح فيه علم التاريخ علما مخبريا يقوم على التدقيق بأجهزة وأدوات ومركبات كيميائية وتساعده الجيولوجيا والطبوغرافيا والآلسنيات والأركبولوجيا والأنثروبولوجيا لكي نصل إلى صدق وثيقة واحدة فواحدة لنرى التاريخ كما كان في زمانه قدر الإمكان. فإن مشايخنا يمنعون مثل هذا العمل في التاريخ الإسلامي، ويرفضون تدقيقه، ويجرمون وصف الآشياء بأسمائها الحقيقية، بعد أن تم تزييف هذا التاريخ على المسلمين لصالح مذهب بعينة وفئة بذاتها هي الحاكمة وهي المتفقهة.

وفي الوقت الذي تفتح الدنيا أبوابها للنقد لأنه باب المستقبل ونافذة النور لإصلاح الشأن باستمرار نحو الأفضل بجميع ألوان النقد لذلك هي تتقدم، فإن المسألة عندنا تقوم على مبدأ الستر وتجميل التاريخ الإسلامي، والذب عنه، وإحدى وسائل هذا الذب هو عدم كشف عواره، وإن أي نقد سوف يصب في خانة العداء للإسلام.

 صورة تقارن بين احوال الكون وايلكتروماغنتيزم ...

وفي الوقت الذي تصبح فيه أعظم نظريات العلم الحديث من الماضي باكتشاف جديد، ليتحول العالم كله نحو الكشف الجديد، فإن مشايخنا يرون فهمهم للإسلام صالحا لكل مكان وزمان، وأنهم المرجعية الدائمة في كل شأن من كيفية التغوط إلى كيفية إطلاق الصواريخ.

في الوقت الذي تبحث فيه الأمم عن أخطائها لإصلاحها أينما كانت فإن مشايخنا صنعوا للمسلمين وعيا لا يرى في نفسه عيبا كما لو كان الاعتراف بالخطأ كفرا، والأنكى أنه يرى الدنيا كلها عيوبا وأنه الوحيد المنزه.

وفي الوقت الذي يتحرر فيه الفرد من كل قيود المجتمع أللهم إلا القانون الساري على الجميع على التساوي، فإن مشايخنا يلزموننا السنة في كل سلوك أو بادرة تبدو منا أو قول نقول، يلازموننا حياتنا الشخصية من الصباح حتى موعد الجماع ويدخلون معنا الكنيف وغرفة النوم. وقد زيد في هذه السنة المستحب عند الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، حتى أصبح المسلم كالإنسان الآلي يردد طوال الوقت الأذكار والأدعية، مما يدفعه في النهاية إلى حالة ذهان مرضي واضحة في شارعنا الإسلامي.                                                        

 

يصبحون خارج

الجغرافيا بعد أن

أصبحوا خارج

التاريخ

 

وفي الوقت الذي تجاوز فيه العالم فكرة الوطن بحدوده إلى عالمية الإنسانية بعولمة هي فرز زمانها الطبيعي، فإننا خارج هذا كله، بل نحن لم نصل بعد إلى مرحلة أسبق هي مرحلة المواطنة، لأن مشايخنا لا يرون للمسلم وطنا سوى دينه وجماعته المتشرذمة من بلاد واق الواق إلى بلاد ماو الماو. فالإسلام هو الوطن وشعب الإسلام هو أي فرد مسلم في العالم. فتضيع الأوطان من المسلمين فيصبحون خارج الجغرافيا بعد أن أصبحوا خارج التاريخ.

وبينما تستفيد الشعوب من نكساتها وهزائمها في منافساتها الحضارية من أجل إصلاح الذات والتقدم على طريق المنافسة، فإننا نلجأ في هزائمنا لنقف صفوفا وراء مشايخنا لنعلن الحروب في المساجد ضد الأعداء بالدعاء والتزام الطقوس إثباتا للرب أننا صالحون، وأنه سينظر إلينا بشفقة ويسامحنا ويبرز للدنيا عجائبه فجأة، فتزول أمريكا وإسرائيل وربما كل الشعوب المتحضرة لنبقى نحن أسيادا على المسكونة دون أن تحقق هذه الدعوات سوى مزيد من الخسائر والتخلف في الواقع، لأن مشايخنا يجعلون التقدم ثمرة للصلاة والدعوات الصالحات التي قد تغفر الذنوب لكنها أبدا لا تأتي بأي تقدم.

  ... وكمية الصواب لقاء الصلاة، حسب مؤتمر اسلامي للعلم من عام ١٩٨٣

ولو كان للصلاح والتقوى والدعاء الصادق أي دور في التقدم، لكان سلفنا الصالح هم الأحق بصنع الصواريخ والمضادات الحيوية وهندسة الوراثة، ولوصلنا إلى القمر ببركة دعاء الوالدين. إن الدعاء لتطهير النفس والصلاة للبعد عن الفحشاء والمنكر، وليس لاكتشاف الذرة أو أسس الحضارة، ولم يكونا يوما سببا في أي تقدم أو أي انتصار.

إن التقدم والتحضر هو شأن الإنسان وممكناته وإرادته وقدراته، التقدم يقوم به عقل حر مطلقا من كل قيد، لديه القدرة على رفض كل ما هو ضد قوانين العقل والكون، وهو وحده القادر على إقامة التحضر، والعقل يقول إن الأخذ بالحداثة والانغراس الفوري فيها هو الطريق إلى التحضر والتقدم.

يقول لنا مشايخنا – رحمك الله – إن المقصود مما يقوله أمثالي أن نعيش كأهل الغرب وانحلالهم الخلقي لكي تنهار أمتنا بتقليدهم، كما لو كنا متقدمين حقا نخشى الانهيار، وكما لو أن حياة أهل الغرب قد أدت إلى تخلفهم وانهيارهم.

ومن هذه الفكرة التي ترى الحداثة غزوا ثقافيا مقصودا منها ضرب أمتنا في دينها بعد أن أعاد الاستعمار تشكيل نفسه باستخدام أساليب جديدة، أي فكرة أن الغرب صليبي يشن عليه حملة صليبية، لا تفهم هل الغرب صليبي يميني متدين متطرف في تدينه، أم أنه محل فجور وانحلال وإلحاد؟

إذن لا علاقة للدين ولا الإيمان بتقدم أو تخلف، إنما هناك دائما في وجود الجريمة من هو صاحب مصلحة مستفيد، وهي جريمة تاريخية في حق أمة بكاملها جنى عليها رجال الدين المحترفين، وكانوا طوال الوقت المسئولين عن الإسلام والمسلمين، فكان حاميها طوال عشرة قرون هو حراميها.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)