طارق حجي

كانت البشرية تظن أنها قد ودَعت حقبة الأيدولوجيات الكبيرة عندما سقط الاتحاد السوفيتي ومعه من كانوا يدورون في فلكه (منذ عشرين سنة). ولكن المؤكد ان ذلك لم يحدث. فأنصار الإسلام السياسي بشتى فرقه (ومن أهمهم جماعة الإخوان المسلمين وسائر المجموعات التي إنبثقت منها والإسلام السياسي الشيعي منذ عودة الخوميني لإيران سنة 1979 وكذلك المؤسسة الوهابية ذات النفوذ العارم بحكم سطوة البترودولار) كل هؤلاء يجعلون البشرية اليوم تعرف ان حقبة الإيدولوجيات لم تنته بحق.

وفي إعتقادي ان التقدم هو ظاهرة إنسانية منبتة الصلة بأي عرق أو حضارة بذاتها أو دين بالتحديد أو مذهب من المذاهب، فالتقدم ظاهرة انسانية كونية هى كنهر كبير جاءت مياهه من انهار شتى هى سائر الحضارات والثقافات، وهو (أي التقدم) في ذات الوقت محصول تراكمي انساني.

انتهاء جذار برلين: لكن حقبة الإيدولوجيات لم تنته

كاتب هذه السطور كان محظوظاً عندما اتاحت له الظروف ان يرى آليات التقدم ومفرداته على أرض الواقع خلال عشرين سنة من التواجد في واحدة من المؤسسات الدولية التي لا تعمل إلا بموجب هذه الآليات وتلك المفردات.

وقد علمتني تلك التجربة التي تزاوج فيها محصول العلم والدراسة مع محصول التجربة والممارسة، ان التقدم هو حاصل توافر عدد من القيم (الإنسانية كما أسلفت) والتي بتوفرها يرتقي الأفراد وتنهض المجتمعات.

وأهم هذه القيم كالتالي: تأسيس مناخ ثقافي وتعليمي وإعلامي (وخطاب ديني في بعض المجتمعات) يقوم على إيمان راسخ بقيمة التعددية وبجموعة من القيم هى نتيجة الإيمان بالتعددية مثل الغيرية (قبول الآخر) ونسبية الأحكام والآراء والمعتقدات، والتسامح الديني والثقافي. وكذلك انتشار وشيوع وترسيخ إيمان الأنسان بكونية وعالمية العلم والمعرفة. ومن أهم قيم التقدم الإعلاء من شأن وقيمة العقل الإنساني بوجه عام والعقل النقدي بوجه خاص.

كل ثقافة لا تسمح

للمرأة بكل حقوق

الرجل هي ثقافة

مضادة للتقدم

كذلك من أهم قيم التقدم الميل بالعقل الإنساني للموضوعية دون الشخصنة والنظر لكل الآراء على أنها منتج لظروف تاريخية وجغرافية وثقافية وإجتماعية، وبالتالي فإنها قابلة للتعديل والتبديل. ولاتكتمل قيمة التقدم بدون إعلاء مكانة حقوق المراة وحقوق الإنسان. فكل ثقافة لا تسمح للمرأة بكل حقوق الرجل هي ثقافة مضادة للتقدم. ومن أهم قيم التقدم الإيمان بالموارد البشرية كأهم أنواع الموارد قاطبة وبالتالي الإهتمام بعلوم ادارة المواد البشرية كجزء من الإهتمام بعلوم الإدارة ككل، والإيمان بأن الإدارة هي محرك المجتمعات للرقي والتقدم.

إيمان راسخ بقيمة التعددية

ولاشك ان هناك قيما آخرى تصنع التقدم، ولكنني أكتفي بما ذكرت لأنها تدل على المعني المقصود. وقيم التقدم كما أسلفت ليس بغربية ولا شرقية، وليس يهودية أو مسيحية أو إسلامية. ولكنها في المقام الأول والأخير قيم عالمية طورتها التجربة الأنسانية ( بتراكمتها ) عبر قرون طوال.

وقد كان من المنطقي في إعتقادي إلا يكون هناك إختلاف حول إنسانية وكونية قيم التقدم. ولكن البعض منا يصرح ان لديه روشتّة خاصة بوسعها إحداث التقدم. وهذا مجرد ظن ووهم لا أساس لهما من التاريخ أو العلم. وكان الأجدر بهؤلاء ان يقولوا ان كل تلك القيم التي أحدثت التقدم في عدد من المجتمعات هي قيم إنسانية لا تعارض بينها وبين ما يؤمنون به. بمعنى ان يقول القائل (مثلاً) ان كل تلك القيم التي تسمى بقيم التقدم هي قيم يحض عليها الإسلام ولايعارضها. ولكن البعض يصر على ان يكون خارج مسيرة التقدم الأنساني ويزعم ان لديه روشتّة خاصة تختلف عن روشتّة التقدم الإنساني التي جاهدت البشرية من أجل إنجازها آلاف السنين.