عبد المجيد الشهاوي

الدعوة لإصلاح شيء هي ذاتها إقراراً ضمنياً بما وقع له من عطب أوقفه، أو كاد يوقفه، عن أداء مهامه، لكنها في الوقت نفسه دليل على استمرار الرغبة في التمسك به والمحافظة عليه هو هو ذاته والتعويل، إذا ما نجحت عملية إصلاح العطب، على استمرار قدرته على إشباع نفس الحاجات هي هي كما من قبل. إصلاح العطب لا يضيف مكونات جوهرية جديدة ولا يحول شيئاً من جنس لآخر،

إنما فقط يستبدل قطع ومكونات ثانوية معطوبة بأخرى متوافقة جديدة ويظل الشيء في جوهره هو هو نفس ما كان قبل خضوعه لعملية الإصلاح، برتوش وترميمات سطحية. مما لا شك فيه أن إصلاح سيارة مرسيدس، مثلاً، لا يعني أبداً أنها بعد الخضوع لعملية الإصلاح سوف تتحول إلى ماركة أخرى مثل البيجو أو الفيات، أو إلى نوع آخر مثل القطار أو الطائرة أو العربة الكارو، أو إلى جنس آخر مثل ثعبان أو طائر أو حشرة أو ضفدعة أو بقرة أو طفل صغير. حتى بعد الإصلاح، ستظل السيارة المرسيدس هي هي نفس ما كانت قبل العملية، إنما بكفاءة أقل في أداء مهامها مقارنة بحالتها الأصلية، الفابريكة. كذلك إصلاح الخطاب الديني، لن يغير من جوهر الخطاب الديني، ولا من جوهر الدين ذاته، أي شيء، إنما قشور سطحية فقط؛ سيظل الدين بخطابه هو هو كما كان، لن يتحول إلى دين آخر قديم أو مبتدع، أو إلى جنس آخر كالأدب أو الفلسفة أو الكيمياء أو الهندسة أو الطب أو خلافه.

تفجير برجي التجارة العالميين: ودعوة ل"تصحيح صورة الاسلام"

إذا كان الإصلاح يعني التمسك والاحتفاظ بجوهر الشيء هو هو نفس ما كان من قبل، التغيير هو عكس ذلك تماماً، لكن لا يزال داخل نفس الجنس. عندما تتعطل سيارتك المرسيدس، يمكنك استبدلها بسيارة أخرى جديدة أو مستعملة، من نفس الماركة أو أخرى مختلفة، المهم أن لا تكون بدون سيارة. التغيير يعني الاستغناء عن الشيء في ذاته، وليس في جنسه. أنا مستغني عن هذه السيارة بالذات، لكنني لا أستطيع الاستغناء عن سيارة، أي سيارة أسافر وأتنقل بها. التغيير، في الحيز الديني، يعادل التحول من دين بالذات لآخر من نفس الجنس، قديماً أو مبتدعاً، مع استمرار نفس الحاجة إلى اعتناق دين، أي دين، قائمة كما تستمر حاجتي للسيارة، أي سيارة. عندما يتحول المرء، مثلاً، من المسيحية إلى الإسلام، أو من الإسلام إلى البوذية، هو هنا يغير دينه، لكنه لا يستغني عن الدين كلياً.

هو دائماً إما مسيحي أو مسلم أو بوذي أو غير تلك من الأديان الأخرى، لكنه في كل الأحوال لا يستطيع أن يعيش بلا دين. لهذا تستبعد لفظة "تغيير" تماماً من مفردات دعاة تجديد الخطاب الديني، ويعوض عنها بلفظة "إصلاح"، لأنها الأنسب لهم للهروب إلى الأمام بإدعاء التجديد ومواكبة مستحدثات العصر وفي الوقت نفسه المحافظة على أسس وثوابت الدين هي هي نفس ما كانت عليه طوال أكثر من ألف سنة؛ الإصلاح يتيح لهم ذلك، أما التغيير لا يبقي لهم منه شيئاً.

لن يغير إصلاح

الخطاب الديني

من جوهر

الخطاب الديني

ثمة إشكالية ثالثة هي أن دعاة الإصلاح أنفسهم، لا يقصدون، ولا يريدون، أن يمس الإصلاح الدين ذاته، إنما "الخطاب الديني" فقط. هذا يعني، في تصورهم، أن الدين في ذاته لا يعيبه أي قصور أو أي عطب على الإطلاق، ومن ثم هو في غنى عن أي وكل إصلاح من أي وكل نوع. في تصورهم، ما يحتاج إلى الإصلاح، لا التغيير، هو فقط حديثنا عن الدين. الخطأ والقصور منا نحن وليس من الدين. الدين حق وصواب مطلق لا يجوز المساس به، إنما نحن المفسرون والمؤولون، النسبيون، ننقل وننسب ونفهم عنه خطئاً في بعض الأحيان. كل ما هو مطلوب هو أن نراجع ونصحح ونصلح فهمنا ونجدد خطابنا من وقت لآخر، كلما استجد ضاغط أو آخر، مثلما بعد تفجير برجي التجارة العالميين في 11 سبتمبر 2001. من هذا المنطلق تكثر وتنتشر الدعوات إلى "تصحيح صورة الإسلام"، "التعريف بالإسلام الصحيح"، "الدين الإسلامي الوسطي" و"الدين الإسلامي المتسامح"...الخ، ما يوحي كما لو أن أساس المشكلة كلها هو فهمنا الخاطئ والنسبي لهذا الدين الحق والمطلق، وليس لها أي علاقة إطلاقاً بجوهر الدين ذاته، في أصوله وفروعه وثوابته ومسلماته وفروضه المتوارثة هي هي كما هي من جيل لآخر. الدين صواب مطلق، إنما نحن البشر خطاءون، وخير الخطاءين التوابون، والمصلحون. الإصلاح يخصنا نحن، المتحدثون عن وباسم الدين، وليس الدين ذاته أبداً.

إعادة قراءة التفسير والتأويل: سكة الخروج الآمن كلما ثبت خطأ

هذه خدعة عظمى، جدار ناري عملاق شيده ويحرسه رجالات الأديان عبر العصور: الفصل التام بين النص، التصور، الإلهي الديني وبين تطبيقاته وممارساته البشرية على الأرض، بحيث كلما ثبت خطأ أو كارثية تطبيق أو ممارسة ما، ظلت دائماً سكة الخروج الآمن للنص المقدس مفتوحة، بمجرد إعادة القراءة والتفسير والتأويل من جديد. هذا ليس ذنب الدين، إنما ذنب من أساؤوا فهم وتأويل الدين. العطب فينا نحن، ودائماً يبقى النص الديني مقدساً ومنزهاً عن أي مساءلة أو نقد، ناهيك عن الإقرار بخلل والسعي في ترميمه.

هكذا نظل إلى ما لا نهاية ندور في فلك نفس النص الإلهي المقدس هو هو كما ظل محفوظاً منذ آلاف ومئات السنين، من قراءة إلى قراءة، وتفسير إلى تفسير، وتأويل إلى تأويل، لنعاود الكرة مرة أخرى من بدايتها البكر الأولى إذا ما اقتضت الحاجة، كما في القرن الثامن عشر على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، دون التجرؤ على كسر هذه الحلقة الضيقة المكتظة بأنفاس ورفات الأموات والخروج إلى فضاء الفكر والإبداع الطلق الرحب.

حتى في تصور من يوصفون بالإسلاميين الوسطيين، المتسامحين، دائمي الكلام المنمق عن ضرورة الإصلاح والتجديد الديني، الدين الإسلامي في ذاته صواب وحق مطلق لا يقبل المناقشة والمحاججة، حتى بما في ذلك، على سبيل المثال، آيات وأحكام سبي الإماء وقطع يد السارق، وجلد ورجم الزانية علانية أمام الناظرين حتى الموت. عندما يتحدثون عن مثل هذه الأمور نراهم لا يعترضون عليها في ذاتها، إنما ينكرونها لعدم تحقق شروطها فقط. هم لا يعترضون على قطع يد السارق من حيث المبدأ، إنما يتحججون بضرورة تحقيق عدل كالذي حققه عمر ابن الخطاب أولاً، ثم بعد ذلك، وبعده فقط، يبدأ الكلام عن تطبيق الحدود. وهم، من حيث المبدأ أيضاً، ليسوا ضد قتل الزانية نهاراً جهاراً في الشارع، لكن، لأنهم متسامحون، يتحججون بشروط تعجيزية تجعل من تطبيق هذه العقوبة اللاانسانية يكاد يكون مستحيلاً.

هذه خدعة عظمى،

جدار ناري عملاق

شيده رجالات

الأديان عبر العصور

الحديث عن إصلاح الخطاب الديني، أو الدين الإسلامي ذاته في مسلماته وثوابته، هو حديث مراوغ ومتلون هدفه الأساسي الهروب إلى الأمام في مواجهة ضغوط وتحديات وإخفاقات ثقيلة داخلية وخارجية من وقت لآخر. المنطق السليم يقتضي أن يكون رجال الدين، أي دين، مؤمنون إيماناً مطلقاً بدينهم، وإلا ما استحقوا تسميتهم تلك. هذا، بالتأكيد، هو أيضاً حال رجال وفقهاء وشيوخ الدين الإسلامي منذ نشأته، مهما زعموا وادعوا خلاف ذلك تحت وطأة ظروف أو أوضاع غير مواتية لهم. وربما مما يجرح المنطق انتظار خروج أي إصلاح حقيقي من مثل هؤلاء، ببساطة لأنهم لم، ولا ولن، يروا أبداً في دينهم أي شائبة أو خطأ أو عطب يستدعي منهم ولو مجرد الحديث عن الحاجة إلى إصلاحه. الحديث عن الإصلاح ليس سوى قنبلة دخان يستعملها رجال الدين لتخفيف الضغط عنهم وكف أبصار الخصوم عن مقاصدهم الحقيقية.

التطور، خلاف الإصلاح والتغيير الإراديين بدرجة كبيرة، هو سنة حتمية، جبرية، من سنن الكون، لا يستطيع أن يفلت منه إنسان أو جماد أو نبات. حتى لو استطاع رجال الدين أن يفلتوا من متطلبات الإصلاح والتغيير الاختيارية إلى حد ما، لن يستطيعوا أبداً خداع وتضليل سنن التطور. من يدعي أن محيط الكعبة، أو حتى الكعبة ذاتها، هو هو الآن ذات ما كان قبل أكثر من ألف عام، أو حتى عامين سابقين فقط؛ من يدعي أن المعاملة التي تلقاها السائحة اليونانية أو اليابانية في مدينته اليوم هي هي كما منذ أكثر من ألف عام مضت؟ أين ذهب النخاسون، وأسواق العبيد؟ من بدل سفينة الصحراء بناقلة النفط؟ إنه التطور، غصباً عنك، إذا لم تفتح له ذراعيك.