عبدالحميد الأنصاري

جاء الخطاب القرآني ليكرم الإنسان وليعلي من مكانته وليرفع من قدره، في قوله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» صدق الله العظيم. يقول الشيخ حسن الصفّار في مؤلفه القيم الخطاب الإسلامي وحقوق الإنسان:

«عندما خلق الله تعالى الإنسان أقام له مهرجاناً كونياً للاحتفاء بولادته ووجوده، وأمر الملائكة بأداء مراسيم التحية والإكرام له بالسجود»... «فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون».

يجب على المجتمع

الإسلامي أن يحافظ

على حقوق الإنسان

ويجعلها جزءاً من

ثقافته

لقد ربط القرآن التكريم ببني آدم، أي أن التكريم للإنسان لكونه إنساناً. فالإنسانية -وحدها- علّة في التكريم الإلهي للإنسان، وليس الدين والمذهب أو الجنس أو الجنسية أو اللون أو اللغة، وعلى ذلك فالإنسان، أي إنسان مخلوق مكرم لدى خالقه، كرّمه الله سبحانه وتعالى بنفسه، وهو بهذه الصفة -صفة التكريم الإلهي- له حقوق كاملة، مثله مثل أي مخلوق آخر مكرم من دون تمييز أو مفاضلة، ولا يجوز لأحد -دولة أو جماعة أو فرداً- أن يمس كرامته أو ينتهك حقوقه أو يحرمه من حرياته. وعلى ذلك فإن موضوع «حقوق الإنسان» جزء من عقيدة المسلم وإيمانه، ومقتضى ذلك أنه يجب على المجتمع الإسلامي أن يحافظ على حقوق الإنسان ويجعلها جزءاً من ثقافته ويتمثلها في سلوكياته ومعاملاته وعلاقاته عبر ثقافة الحوار والتسامح وقبول الآخر وإعلاء قيم الحرية والعدل والمساواة.

ولنتساءل الآن: إلى أي مدى اتسق الخطاب الديني السائد والخطاب القرآني في موضوع كرامة الإنسان وحقوقه؟ وهل استطاع أن يتمثل ذلك التكريم الإلهي للإنسان في خطابه السائد؟ وهل استطاع أن يترجم مضامين التكريم الإلهي للإنسان في خطابه التعليمي أو الدعوي أو الوعظي أو في هيئة فتوى أو حتى في جانبه السياسي الصحوي؟ وهل يواكب الخطاب الديني الحالي، الخطاب القرآني في إعلائه قيمة الإنسان ومكانته لكونه إنسانا؟

لا أتصور ذلك، لا في الخطاب الديني القديم المتمثل في الكتب الفقهية التراثية ولا في الخطاب الديني المعاصر عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية ومنابر المساجد وفي الصحف والمجلات والأشرطة الدينية المنتشرة والكتيبات التي توزع مجاناً.

الشيخ حسن الصفّار: يشير الى النزعة اللاإنسانية في بعض الفتاوى

لو كان الخطاب الديني القديم يؤمن بكرامة الإنسان -حقاً- لما أجاز ما يسمى بالجهاد الابتدائي «جهاد الطلب» وهو يعني قتال الكفار لا لعدوان حصل منهم على المسلمين إنما لمجرد كونهم كفّاراً وتخييرهم بين الإسلام أو القتل، إلا أن يكونوا كتابيين فأمامهم خيار ثالث هو الجزية.

ولو كان يعتقد بكرامة الإنسان -فعلاً- وأن له حقوقاً مصونة لما ضيّق على النصارى واليهود واضطرهم إلى حافة الطريق وألزمهم بلباس معين ومنعهم من بناء دور لعباداتهم... لايزال الخطاب الديني في الكويت يصادر حق «البهرة» في بناء مسجد لهم بحجة أنها طائفة ضالة ومنحرفة.

لو كان الخطاب الديني الذي تمت ممارسته يتبنى الكرامة الإنسانية الشاملة لما قال بتجزئة الكرامة وأنها خاصة بالمسلمين، ثم ضيّق الدائرة أكثر بتخصيصها في أتباع المذهب فقط، وما عداهم من المخالفين والمبتدعة، لا ينطبق عليهم عنوان التكريم وتستباح بعض حقوقهم المادية والمعنوية كما يقول الشيخ الصفار.

لو كان الخطاب الديني الذي مورس ويمارس يؤمن بقيمة الإنسان لما أيّد ممارسة التمايز واللامساواة ضد المرأة في كل حقوقها، ولما قال إن ديتها نصف ديّة الرجل، ولما فرض الوصاية عليها في كل تصرفاتها، ولما طالب بتهميش دورها المجتمعي والتنموي. لو كانت الكرامة الإنسانية، قيمة عليا مؤصلة في الخطاب الديني المذكور لما حفلت الكتب الفقهية بأقوال تقول بنجاسة الكافر وأنه لا يُقتل مؤمن بكافر، وأن ديّته نصف ديّة المسلم، ولما استمر الخطاب الديني المعاصر في الدعاء على الكفار ولعنهم، ولما صدرت فتاوى تلزم المسلم بإضمار العداوة لهم إذا سكن في ديارهم.

غياب البعد

الإنساني في

الخطاب الديني

عوقت المسار

الديموقراطي

لقد وصلت النزعة اللاإنسانية في بعض الفتاوى التي يذكرها الشيخ الصفار في كتابه فيقول: سُئِل أحد العلماء المعاصرين عن مشروعية إغاثة غير المسلمين، -وأيضاً- غير المتمذهبين بمذهبه من المسلمين، عند الكوارث، فكان جوابه بالرفض القاطع وبعبارات تنضح بالكراهية والازدراء، فقال:

 نرى عدم دفع المساعدات لغير المسلمين الذين هم أعداء الدين ولو ماتوا جوعاً، ولو قتلهم البرد أو الحر أو الغرق أو الهدم، لاعتبار ذلك عقوبة من الله على كفرهم وبدعهم.

هكذا تفعل اللاإنسانية والتعصب الأعمى في صاحبها!!

وسئل مرة أخرى إذا كان المتضررون أغلبهم مبتدعة فهل يجوز للمؤسسات الخيرية الإسلامية مساعدتهم؟ فقال لا يجوز للمسلمين مساعدة المبتدعة كالرافضة والقبوريين -يقصد المتصوّفة- وأهل الديانات المبتدعة كالنُّصَيريّة والدروز والقاديانية والسيخ والبريلوية والبعثية ونحوهم... ويعتبر ما أصابهم من غرق أو خسف أو قحط أو مرض عقوبةً من الله فلا تجوز إعانتهم.

ويبلغ التعصب عند هذا الشيخ الذي لا نود ذكر اسمه ولكنه يمثل شريحة كبيرة من المشايخ الذين يرون رأيه ومذهبه حتى يقول:

يجب على المسلمين من أهل السنّة بُغضُ أهل البدع ومقتهم وتحقيرهم كالرافضة والمعطلة والقبوريين والأباضيين، كما يجب على المسلم عند كثرتهم في البلاد، البعد عنهم للتخلص من شرهم.

ولنا أن نتساءل هل هذه الفتاوى تصدر عن نفسية تؤمن بكرامة الإنسان أم نفسية مريضة بالتعصب الأعمى؟

الاغاثة في حالات الكوارث: لا تتثاقل المجتمعات الغربية

عندما ضربت كارثة «تسونامي» جنوب آسيا، تداعت شعوب المجتمعات الغربية وتفاعلت منظماتها الخيرية وسارعت بتقديم العون والمساعدة، بينما تثاقلت وتباطأت مجتمعاتنا ووصلت بلادة المشاعر الإنسانية لدى بعض المشايخ أنهم اعتبروا ما حصل عقوبة إلهية لانحراف تلك المجتمعات. ولذلك لا نعجب في أنّ جُلَّ اهتمام الخطاب الديني هو الدعوة إلى المزيد من الالتزام بالعبادات والشعائر والمبالغة في التحذير من المعاصي، ومن فتنة المرأة والاختلاط، والخطاب الديني في شغل شاغل في إقامة التحصينات ضد ما يعتبره غزواً فكرياً من الغرب، وهو يبحث عن حلول في التراث القديم ويسارع إلى اتهام المخالفين بتهم التكفير والتفسيق سواء من العلمانيين أو من المذاهب الدينية الأخرى.

أما اهتمام الخطاب الديني المذكور بحقوق الإنسان فضعيف، وأما تصديه للانتهاكات التي يتعرض لها المسلم في ديار المسلمين فمعدوم، ويبدو أن قضايا الحريات والحقوق خارجة عن اهتمامات هذا الخطاب... بل إنه يناصر التضييق على الحريات، خصوصاً حريات التعبير والإعلام والتفكير وحرية المرأة... ولو آل الأمر إلى أصحاب الخطاب الديني لصادروا الكتب وسجنوا المفكرين ونكلوا بالمعارضين السياسيين وأقفلوا الفضائيات ومنعوا الصحف وألزموا المرأة بيتها. طالب الأزهر أخيراً بمصادرة كتاب أحمد راسم النفيس «رحلتي مع الشيعة والتشيع».

لقد كان من تداعيات غياب البعد الإنساني لدى أصحاب الخطاب الديني أن أصبحت مجتمعاتنا، الأعلى عالمياً في تقارير انتهاك الحريات. وفي حين نجحت التجارب الديموقراطية وأثمرت عند الآخرين تعثرت مجتمعاتنا في تحولها الديموقراطي، وما ذلك إلا بسبب حالة «الممانعة» التي رسخها هذا الخطاب في بنية مجتمعاتنا، فعوقت المسار الديموقراطي وعطّلت تفاعلها مع العصر ومعطياته، وكانت الثمار المرة لهذا الخطاب المهمش لكرامة الإنسان، فكر التطرف والكراهية والإقصاء، وهي الثلاثية التي أنتجت ثقافة «العنف» ممثلة في «القاعدة» في أبرز تجلياتها.