عبد الحميد الانصاري

يعيش الخطاب الديني المعاصر في مجالاته الثلاثة، التعليمي والدعوي والإفتائي، وفي وكافة وجوهه ( التقليدي المحافظ، السياسي المؤدلج، المتشدد العنيف، المعتدل الوسطي)، مسموعاً أو مقروءاً أو مشاهداً... في وضع مأزوم وانفصامي مع أوضاع المجتمعات المعاصرة. وفي حين أن القرآن الكريم وصف الأمة الإسلامية بأنها تدعو إلى الخير والتسامح والمحبة والتآلف والرحمة والعدالة للبشرية جمعاء،

فإن الخطاب الديني المعاصر عجز عن تحقيق أهداف ومقاصد الإسلام، وفشل في تقديم خطاب إيجابي متصالح مع روح العصر ومتطلباته، ويعبر عن جوهر الإسلام الحقيقي. علل وأمراض الخطاب الديني المعاصر عديدة، وقد شخصها الباحثون المتخصصون في العديد من البحوث والمقالات والندوات التي عقدت حول "تجديد الخطاب الديني" على امتداد سنوات طويلة، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي ضربت أميركا، وكانت أبرز دلائل فشل الخطاب الديني وقمة مأساته.

انتشار الدعاة وهيمنتهم تزداد على الساحة كل يوم

ولا يتسع المجال هنا لذكر علل الخطاب الديني في كافة أشكاله ومستوياته، لكن من المهم أن نوضح هنا أن تلك العلل لا تقتصر على جمود الأساليب والصور والمظاهر الخارجية وسوء استغلال التقنيات الحديثة متمثلة في مكبرات للصوت مزعجة ومواقع إلكترونية متشددة، وأشرطة متطرفة وفضائيات محرضة... وإنما تتعلق ببنية الخطاب الديني ومضامينه ومكوناته وأهدافه.

فالخلل الأكبر للخطاب الديني المعاصر، ليس مجرد خلل شكلي يتعلق بقصوره عن الإفادة من التقنيات الحديثة بما يخدم الإسلام ويُحسّن صورته، بل هو خلل متأصل في عجز بنيوي عميق، وهذا العجز لا يتعلق بقلة الإمكانيات والموارد والدعم، ولا بضعف تمكين ونفوذ وتغلغل الدعاة والوعاظ والرموز الدينية، لأن العكس حاصل. الإمكانات والموارد والميزانيات المرصودة للمؤسسات الدينية على اختلاف مستوياتها هائلة وضخمة، وانتشار الدعاة وهيمنتهم تزداد على الساحة كل يوم عبر منابر المساجد والفضائيات وكافة المناشط المجتمعية، وفي شهر رمضان الفضيل يصبح الخطاب الديني هو المتسيّد على الساحة من غير منازع.

ومن المهم هنا ودفعاً للشكوك والظنون السيئة للمتربصين بدعاة التجديد، تأكيد أن الدعوة لإصلاح الخطاب الديني لا تتعرض ولا تمس "الثوابت" الدينية، وإنما ينصب ذلك الإصلاح على خطاب الدعاة والوعاظ والخطباء والمفتين والباحثين، كما يذاع وينشر، باعتباره "فهماً" بشرياً لنصوص دينية مقدسة، في سياق مجتمعي معاصر، يساهم وبشكل بارز في تشكيل وجدان المسلم وتوجيه سلوكياته وتكوين مفاهيمه وتصوراته ونظرته للآخرين سواء في مجتمعه (مواطنين ومقيمين) أو في موقفه من النظام السياسي الحاكم في بلده أو في نظرته للشعوب الأخرى غير المسلمة أو الحضارة المعاصرة بصفة عامة.

إن تجديد الخطاب

الديني ضرورة ملحّة

لتجاوز هوة التخلف

وإضافة إلى ذلك، ثمة مطلب أساسي وقديم متجدد، لا علاقة له بما يروجه قادة دينيون مسكونون بهواجس تآمرية، بهدف تشويه سمعة ومكانة دعاة التجديد وتسميم الساحة الفكرية، من أن تجديد الخطاب الديني هو "إملاءات" غربية وأميركية، تهدف إلى إلغاء آيات "الجهاد" وتغريب وطمس الهوية الدينية من منطلق الرواسب الصليبية الحاقدة ضد الإسلام والمسلمين وحتى يمشي المسلمون في ركاب الغرب ويكونوا مطية له... هكذا قال بعض أبرز القادة الدينيين في الخليج على المنبر الجامع! إنها ادعاءات واهية، لا نعيرها أية قيمة ولا نلتفت إليها، لأن منطلقها فكر تخويني بائس، يريد استدامة هذا الوضع العليل للخطاب، لاستدامة وصايته على المجتمع، واستدامة مصالحه، عبر التلاعب بالعاطفة الدينية للجماهير وفرض هيمنته على الساحة وإقصاء دعاة التجديد والإصلاح باتهامهم ووصمهم بأنهم يخدمون مخططات الخارج.

إن تجديد الخطاب الديني، مطلب مشروع دائماً، وهو قضية حيوية لمجتمعاتنا، وضرورة ملحّة لتجاوز هوة التخلف، وعندنا في الإسلام، أن الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها، وفي القرآن، أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والتغيير إنما يبدأ بتغيير الأفكار والمفاهيم والسلوك والتوجهات، وحضارتنا ما قامت وامتدت إلا بفكر منفتح ومتجدد، وحين توقف التجديد، ران على العقل الإسلامي الصدأ عبر ألف عام، فالحاجة اليوم أكثر إلحاحاً لإعادة تشغيل الطاقات نحو فكر وخطاب منفتحين على العصر، قادرين على مواجهة تحدياته، مساهمين في إنجازاته وإبداعاته، مؤهلين لتحمل المسؤوليات الأخلاقية والدينية للمسلمين تجاه دينهم وعصرهم ومجتمعاتهم وأجيالهم القادمة.

لماذا تجديد الخطاب الديني؟ هناك ضرورات عديدة لتجديد الخطاب الديني، أبرزها أن هذا الخطاب بوضعه الراهن أخفق في تحقيق مهماته وأهدافه الأساسية، وأهمها:

1- الهدف التحصيني: عجز الخطاب الديني، رغم كثرة الموارد المرصودة، والهيمنة الطويلة على المناهج والمنابر وكافة المفاصل الثقافية للمجتمع وأنشطته وعلى امتداد نصف قرن، عن "تحصين" شبابنا، وتقوية مناعتهم في مواجهة أمراض التطرف، وفيروسات الفكر الإرهابي التي غزت نفوسهم وعقولهم وحوّلتهم إلى أدوات للقتل والتفجير والتدمير.

اوهام الرواسب الصليبية الحاقدة ضد الإسلام والمسلمين

2- الهدف التنموي: الدين قوة هائلة تشحن طاقات المسلم للبناء والإنتاج والتفاني والإخلاص في العمل والتنمية والتزود بالعلم والمعرفة، باعتبار هذه الأمور جهاداً في سبيل الله، لكن الخطاب الديني السائد لم يستطع توظيف طاقات المسلم في ميادين السباق الحضاري، وإنما دفع تلك الطاقات نحو الهدم والتدمير تحت شعارات "الجهاد" و"الاستشهاد"، فكانت النتيجة انخراط آلاف الشباب في مشروعات عدمية تستنزف موارد وطاقات المجتمعات الإسلامية.ولا عجب إن وجدنا أن الخطاب الأساسي لكافة التنظيمات السياسية الدينية لا يتضمن أي برامج ومشاريع للبناء والتنمية، تلبي طموحات الجماهير في غد أفضل، بل وجدناه خطاباً تحريضياً اتهامياً، ناقماً على العصر والمجتمع والنظام السياسي، متشككاً في كل شيء. يدخل المسلم جامعاً لأداء الصلاة ليجد خطيباً غاضباً زاعقاً يدعو على الآخرين بالهلاك، فيخرج أكثر توتراً وإحباطاً من الوضع العام، مهيأ للانخراط في الشبكات الجهنمية الإرهابية!

3- الهدف الدعوي: لقد فشل الخطاب الديني في أهم وظائفه، ألا وهو تقديم صورة حضارية للإسلام إلى العالم المعاصر، بل قدم صورة منفرّة للمسلمين، وأصبح العالم كله يتوجس من المسلمين، وزاد الطين بلة، أن الخطاب الديني المهاجر، حمل أمراضه معه إلى المهجر فزاد المسلمين هناك رهقاً وشقاءً.

4- الهدف التوحيدي: لم يستطع الخطاب الديني إصلاح ذات البين، بل زاد انقسام المسلمين إلى طوائف وفرق بسبب ادعاء كل طائفة أنها وحدها تملك الحقيقة المطلقة وهي الفرقة الناجية الموعودة بالجنة دون الطوائف الأخرى. أصبح الخطاب الديني عامل تأزيم وتكريس للفرقة والشحن الطائفي وتغذية الصراعات السياسية.

صحيح أن مسؤولية الفشل لا تقع على عاتق النخبة الدينية وخطابها فقط، بل هي مسؤولية مشتركة للنخب العربية وخطابها أيضاً، كما وضحت ذلك ندوة "أصيلة"، إلا أن مسؤولية النخبة الدينية هي الأعظم.